أكمل ما بدأته أمس، عن تونسيين قتلوا وعذبوا وحرموا من أبسط حقوقهم في العمل والعيش الكريم، خلال حكم الرئيس السابق ابن علي، رغم أنهم يعيشون في واحدة من أغنى بقاع الأرض، في "جنة الفوسوفات" التي انقلبت جحيماً في الجنوب التونسي. وبعد حادثة قتل أحد الشبان المعترضين في العام 2008، بالصعق الكهربائي، شهدت ولاية قفصة إضرابات مدعومة من الاتحاد التونسي العام للشغل، استمرت شهوراً، وتمركزت في مدن مختلفة، من بينها الجبل الأخضر. رد أمن ابن علي باعتقالات وتعذيب وقتل وممارسات شرسة، ما دفع أحد أبناء المدينة للتصريح للصحافة: "لقد تحوّلنا إلى غزة أخرى" (راجع لو موند ديبلوماتيك، انتفاضة أبناء المناجم في تونس، يوليو 2008).
كانت "حركة الحوض المنجمي" إحدى الهزات التي ستؤدي فيما بعد إلى الزلزال الكبير. لقد عانى الأهالي من أعمال الشركة التي خلفت انفجارات قتلت أحدهم، كما ملأت المدينة بمستنقعات من الوحل، نتيجة سياسات الجشع الاستثماري التي فجرت الأجواف. في النتيجة، ابتلعت برك الوحل أطفال المدينة.
لكن ما الذي تغير بعد سقوط النظام في هذه المنطقة تحديداً؟ سؤال دفع الفرنسي سيرج كادروباني إلى زيارة متعجلة، وثّق فيها لحياة أبناء تلك الانتفاضة المبكرة، كما تبدو اليوم، في كتابه الصادر حديثاً في باريس "سياسة الخوف" politique de la peur. نكتشف أن لا شيء تغيّر، فعلاً، فعلى جدران مدينة الجبل الأخضر لا يزال هناك من يكتب: "لن نستسلم.. الشغل هو أولويتنا.. الشباب قبل الفوسفات". تزامنت تلك العبارات مع قيام الشباب، الذين بات اسمهم "شباب الربيع العربي" الآن، بتعطيل أعمال ثامن أكبر شركة فوسفات في العالم، ولم يتوقفوا في يونيو الماضي إلا مع وعود بالتوظيف.
يقول سيرج: "في انتظار انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر المقبل.. لا تزال بقايا النظام البائد ظاهرة في قفصة، في قلب البلاد"، وينقل عن مسؤول حالي في شركة الفوسوفات، رفضه لمنح فرص عمل لـ"هؤلاء الناس"، كونهم "بلا كفاءة" وكونهم "عملاء يتبعون حزب ابن علي السابق وهدفهم نشر الفوضى"!