يوم الثلاثاء العشرين من أكتوبر العام 2009، كتب رضا طعم، مواطن تونسي، في إحدى حواشي الموقع الالكتروني "الرديف اليوم" يقول:" وفي هذا الصدد نتوجه كأهالي الرديف إلى سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بجزيل الشكر والامتنان على حنانه الأبوي إزاء هذا الواجب الإنساني وإلى كل من مد يد المساعدة وخفف من وطأة الألم ونقول طال الزمن أم قصر فنحن معك يا بن علي".
كان ذلك ردا على "الهبات" السخية التي قدمها الأب الحنون لهذه المنطقة، التي كانت قد نكبت لتوها بسيول خلّفت، بحسب "وكالة الأنباء التونسية" آنذاك، عشرين قتيلا وستة مفقودين. والرديف تلك، هي مدينة فقيرة، في الجنوب التونسي، تتبع ولاية قفصة. ورضا، المطبّل ذاك، لم يكن بالتأكيد، ينتمي إلى الفرق الشبابية التي شاركت بإسقاط بن علي ونظامه بعد ما يقارب 15 شهرا على الطوفان وكتابة تلك عبارة "التفخيمية" المعتادة.
قبلها، في العام 2008، كانت المدينة قد عرفت حادثة أخرى لا تقل مأساوية عن الطوفان. لقد احتل مجموعة من الشبان المتعلمين العاطلين عن العمل المولدات الكهربائية التي تغذي مشغلات شركة الفوسفات، احتجاجا على نتائج "مباراة" التوظيف، التي انتهت، وكما في العقود الأربعة السابقة، منذ استقلال تونس، إلى توظيف أزلام النظام وحاشيته، واستبعاد أهالي المنطقة، الذين نكبهم القدر، منذ قرن من الزمن، باكتشاف ثروات الفوسفات في أرضهم. ضرب استخراج هذه المادة زراعتهم، ولم يتمكنوا، بالمقابل، من الاستفادة من الوظيفة في الشركة الوطنية. ذهبت ثلة منهم إلى المولدات، احتلتها غاضبة، ظنت أن بوسعها أن تخلق رهبة تمس قلوب الحاكم والوالي والرئيس. أعطيت الأوامر بتشغيل المولدات رغم المعرفة بتواجد الشبان عليها. تنبه بعضهم، غفل أحدهم، مات مصعوقا بالكهرباء.
قد يسجل البعض هذه القصة بوصفها حادثة، وقد يعتبرها آخرون "انتحارا وطنيا" سبق انتحار البو عزيزي، لكن، في كل الأحوال، تبقى حكاية الشاب المصعوق، واحدة من آلاف الحكايات التي تساعدنا على فهم الانفجار الشعبي التونسي، الذي شرذم نظام بن علي. حكايات جحيم الفوسفات تمثل فصلا أساسيا في هذه السيرة. غدا أكمل مع حكاية جديدة.