أهوى كتابات المصري إبراهيم عبد المجيد. وأذكر أنني لحالة التأثر التي انتابتني أثناء قراءتي في "لا أحد ينام في الإسكندرية"، اندفعت لأن أقدم تلخيصا لها، بالإنجليزية، لسيدة غريبة شاركتني مقعدا مشمسا في حديقة عامة في اسكتلندا. طبعا، لم أتمكن من نقل روح عبد المجيد، بقاموس الأجانب، لكنني سعيت للتأكيد على روعة الكتاب، والكاتب كونه خبيرا بعوالم المدينة التي ينتمي إليها، وهو يسجل تاريخها وتقلبات الزمن في دروبها، كما ينقب عن أشخاصها المختلفين. وتلك النوعية من أدب الراوي- المدينة، لطالما شدتني.

في ندوة عقدت قبل أيام في القاهرة، حيث قال عبد المجيد إن "أدب الثورة لم يكتب بعد، وأنه كان في ميدان التحرير وقام بالتواصل مع نماذج كثيرة من المجتمع المصري وبتسجيل الكثير من الملاحظات". وهذا خبر جيد، برأيي. فصاحب "طيور العنبر" حين يتحدث عن مهمة "التسجيل" يعي تماما ما يقول. إذ هو يذهب بهذه التقنية في الكتابة إلى حدودها الكلاسيكية القصوى، التي تراوح بين الصحافة والأرشفة، ثم يجد لتلك البيانات موقعها الصحي في السياق الروائي التخيلي. هكذا تأتي رواياته مزيجا مذهلا بين التوثيق والأدب. وهو أيضا بارع جدا في "شم" الشخصيات الغرائبية واكتشافها.

وقد تخيلته يبحث عن ذلك الرجل الذي كان في السابق يعمل في جهاز أمن خاص، ثم قرر بعد الثورة أن يكسر تقاعده، فحمل وهو في السبعين كاميرا رقمية وبات يجول في شوارع وميادين القاهرة، ليوثق المخالفات في ملف ضخم يريد تقديمه لرئيس الوزراء. ثمة شباب توقفوا عن تعاطي "البانغو" وسيدة مريبة تحمل سكينا تدعي أنها تستخدمه لتقشير الفاكهة في التحرير. ثمة أطفال جواسيس. ثمة حلاق وراقصة ومتدين ومتطرف. ثمة "عنبر" مختلف غير الذي يفوح من "طيور" عبد المجيد. عنبر سري يقال أنه مخفي تحت الميدان اسمه "غرفة جهنم" كان ضباط الأمن ينقلون إليه المعتقلين في وقت الزيارات القليلة لجمعيات حقوق الإنسان للسجون التقليدية.

في "عنبر جهنم"، أو في مكان آخر، قد يكون كاتبنا المبدع قد وجد خطوط روايته المقبلة. فما علينا سوى الانتظار.