حين يقع "الإنسان" تكثر السكاكين حول عنقه. الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لا يكاد يمر يوم من دون أن تتلمس سكين جديدة عنقه الواهن.

تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس أول من أمس، التي أكدت ما كشف عن "فلسفة" مبارك الشخصية في حكم الملايين من شعبه، لم تكن مفاجئة لأحد، اللهم إلا في توقيتها وإعلانها خارج "منظومة" الـ"ويكيليكس"، كما أنها أعادت رايس السياسية إلى الواجهة مجددا، وكان آخر ما طالعناه عنها تقارير عن ادعاءات حول مثليتها الجنسية. آه، ثمة خبر آخر يتعلق بمشاركتها بمسلسل كوميدي.

تصريحاتها عن اللقاء الذي جمعها بمبارك في العام 2005، أي في طور التحضيرات التي كانت جارية آنذاك لعملية عسكرية أميركية إسرائيلية ستشن بعد عام ضد لبنان، راح ضحيتها 1200 قتيل من بينهم أطفال كثر.. هذه التصريحات لم يتلقاها ثوار التحرير بروح كوميدية، بالتأكيد. الرئيس السابق نصح مندوبة الإمبراطورية العظمى آنذاك (ثمة حقائق تشير إلى أنها لم تكن مجرد مندوبة في عهد بوش بل حاكمته السرية) بألا تلقي الكثير من الخطب عن الديمقراطية وحرية التعبير، فهو يعرف أن شعبه، كما الشعوب العربية بشكل عام، "لا يمكن أن تحكم إلا بقبضة من حديد".

وبالطبع، كرر مبارك آنذاك أسطوانته المشروخة التي تفيد بأنه يحمي، بسياسة القبضة تلك، شعبه من التطرف. ولم يكن محقاً بالتأكيد، في أمرين: أولهما استخفافه بقدرة شعبه وشعوب العرب بشكل عام على تكسير تلك القبضة، حين يفيض طوفان العزيمة والأمل، وثانيهما أن التطرف لا ينبت إلا في بيئات الفقر والجهل والإحساس بالغبن والظلم والإحباط، وهي السياسات الحقيقية التي كان مبارك ونظامه يكرسونها في الخفاء والعلن.

أما رايس المتقاعدة، فهي تعود لكي تخبرنا عن قدرتها "التنبئية" بثورة الشباب المصري قبل حصولها بست سنوات، وهذا يذكرنا بحدسها الواثق عن المستقبل الأفضل للشعوب في العراق ولبنان، عن طريق اتباع سياسة، شاركت فيها، هي القتل والقصف والمجازر. سياسة القبضة الحديدية التي تنتهجها الولايات المتحدة والتي لها الفضل في أنها ألهمت، في الأساس، حكاماً عرباً.