الحوار في كل مكان، هذه الأيام. الكل يتكلم عنه وباسمه. يطالب به ويبحث عن الطاولات والمقاعد التي تؤمن جلوساً «مشرفاً» للمتحاورين. الرئيس اليمني علي عبدالله صالح يعود من حافة الغياب لكي يذكر بمبادرات تدعم انتقال السلطة والحوار، من دون التخلي عن معارضته المطلقة، الواقعية والميتافيزيقية للرحيل.

نظام آخر ينصب «خيمة» ضخمة للحوار، ويصف عدم الإقبال عليها بأنه «موقف السلبيين». طبعاً في هكذا تصريحات، تهدف إلى خض أدمغة مواطني المساحة الرمادية في الداخل، كما تدعّم حملات «البروباغندا» الموجهة للخارج، يتم التغاضي عن الموقف الواضح والمعلن لمقاطعي الحوارات، وهو رفض إجراء أي حوار طالما العمليات العسكرية والأمنية الترهيبية لا تزال جارية.

في ليبيا يبدو الوضع أكثر تعقيداً. إذ إن «الحرب الإنسانية» التي تخيلنا قبل شهور أن الاسم الرديف لها هو «كوشنير» و«ساركوزي» لكثرة تصريحات القياديين الفرنسيين عن ضرورة تصدي بلاد الأنوار لنزق الزعيم الليبي في سفك الدماء وقصف الآمنين من المعترضين على سياسات حكمه، تلك الحرب يبدو أنها في طريقها إلى التجمد وإسدال الستارة، قبل أن يفهم الجمهور العريض حول العالم، نص تلك المسرحية الهزلية التي تسمى «حلف الناتو جاء لينقذنا».

الغريب، أن «الناتو»، نفسه، الذي سفك دماء الأطفال في العراق، كنا قد «عصرنا في قلوبنا مليون حبة حامض»، على ما يقال، وملأنا أفواهنا بالماء، وقبلنا على مضض تدخله الجوي في ليبيا، قائلين لعل وعسى، وربما وقد يكون، وكل تلك العبارات البريئة التي بوسعك أن تكيلها لو جاء قاتلك إليك بوردة، لكن الناتو نفسه لم يعد يحتمل تلك العملية، وأحد أبرز محرضيه، أي فرنسا، دعت المتحاربين إلى.. الحوار.

ثمة دماء كثيرة سفكت لأن الأنظمة رفضت الحوار في الأساس. ثمة وقت مضى. ثمة أقنعة سقطت. ثمة أطفال قتلوا وأمهات أطلق عليهن الرصاص. ثمة شعوب خرجت من قمقمها. ألا يبدو ذلك أكبر من مشاريع الحوار؟