عزيزي القارئ، أثقل عليك اليوم، فأعود بك إلى دروس التشريح المملة، التي لطالما نسيتها حال خروجك من صف الدراسة. أختار اليوم درس "الحنجرة"، وأذكرك بأنها "عضو غضروفي يقع في مقدمة الرقبة، يمتد من أسفل العظم اللامي.. يعمل كصمام أمان لمنع تسرب الأكل أو الشرب، أو الأجسام الغريبة إلى القناة التنفسية، أثناء عملية البلع، بالإضافة إلى أنها عضو أساسي في جهاز الكلام، حيث يتم فيها انقباض الحبال الصوتية مع مرور الهواء من الرئة أثناء عملية الزفير".
وفي العادة، تشيع ثقافة الحفاظ على الحنجرة ووظائفها المتعددة، كما لو أنها حجر ماس ثمين، في كثير من مناطق العالم. فتصدح مرة بالغناء، ومرة بالآراء الحرة، ومرة بالأناشيد التي تحرّض على عدم الرضوخ للحال، كون من المحال تغييره، بل الخوض حتى الحدود القصوى للتغيير. ولطالما بهرت، شخصيا، بسِير وحكايات أصحاب الحناجر الصدّاحة، من الذين كان الفضل في تغيير عجلة التاريخ لـ.."عضوهم الغضروفي الصغير في مقدمة الرقبة".
إن حركة قد تبدو تافهة لكثيرين، تتمثل بزفير يتبعه حبس للهواء وتحريره، باعثا الصوت الهادر.. حركة كهذه قد كتبت صفحات في تاريخ الإنسانية، وأغلقت صفحات أخرى. هل بوسعنا أن نتصور حياتنا من دون الانقباضات الخافتة للحبال الصوتية، لدى ويلسون وغاندي وتشرشل ولوثر كينغ وتشي غيفارا وعبد الناصر وعرفات ومانديلا وغيرهم كثر! ليس الساسة فقط، معهم المبدعون والمخترعون والأطباء وحاملو الهم الاجتماعي.. ذبذبات صغيرة مرّت في حناجرهم، فتغيّرت حياتنا.
في مدينة حماة السورية، وجدت قبل أيام جثة المغني إبراهيم قاشوش، صاحب الأغنية السياسية الشهيرة التي تطالب برحيل النظام. جثة طافية في نهر العاصي، قرب النواعير، برقبة طوّقها خط دماء.
الصورة المنقولة تبيّن الاستهداف الواضح لحنجرة القاشوش. ثمة من أراد نزعها، وتوجيه رسالة إلى كل من سوّلت له نفسه إخراج "أشياء غريبة" من حنجرته، بأنها "ستنزع" من رقبته في الحال. حنجرة المغني سالت منها كلمات حملتها مياه "العاصي" إلى سهل البقاع وحمص وأنطاكية والبحر المتوسط. ثمة أطفال يشربون من مياه النهر الشهير.. يدرّبون حناجرهم على الغناء.