أفكر أنني لم أعد قادراً على استيعاب أعداد القتلى المتزايدة في شوارع العرب كل يوم، أحدق في شريط نشرات الأخبار، في رسائل «البيان» الإلكترونية عبر الهاتف، في فم المذيعة وهي تعيد ما سمعته للتو من شاهد العيان لمزيد من الإيضاح والتوكيد، في «مانشيتات» الصحف في اليوم التالي، في فلاشات «فيس بوك» على جهاز البلاك بيري الذي لا يفارقني.. أحدق في هذه الأرقام ولا أفهم.

لطالما كرهت الأرقام حين تكون إحصاء للجثث. ولطالما أجبرت ذاكرتي على عدم تلقفها كأرقام، بل كحكايات وحيوات لمن يحملها. لكن تسارع الأحداث، والكميات الهائلة من الدم المسال في الشوارع، يجعلني، للمرة الأولى، غير قادر حتى على تخيل ما خلف الأرقام. لقد باتت، لفرط كثرتها وقسوتها، تشغلني بشكل مجرد.

أفكر في معادلات الجبر. لطالما كرهت الجبر، وقررت أنني ذات يوم سأكتب كتاباً عن أساليب التعذيب النفسي، التي يتعرض لها الأطفال في المدارس، وأحدها اختيار مادة الرياضيات افتتاحية لليوم. مادة مصحوبة عادة بالخوف والمغص في المعدة والدوار في الرأس، وهي بالنسبة إلي، تستدعي قاعة باردة، وامتحاناً صباحياً، وصمتاً مرعباً، وورقة الاختبار المحمّلة بمعادلات عصية على الحل.

أفكر بالخوارزمي وبالجبر، وبالمعادلات التي يستخدمها الطغاة في عملية الإفناء. كيف تفني شعبك بمعادلة جبرية؟ لديك طريقتان: واحدة سهلة وبعيدة المدى، وأخرى معقدة وسريعة. الأولى مناسبة ليوم الجمعة: يخرج المتظاهرون بعد الصلاة. تطلق عليهم الرصاص. يسقط منهم أطفال ونساء ورجال. يخرج المشيعون السبت. تطلق الرصاص مجدداً. تحصد المزيد. محصلتك من ثمانين إلى مائة في يومين. إنه الجبر البدائي: تجمع وتضرب. لكن الإفناء الكامل (وهذه خطط واردة) يتطلب كثيراً من «الجمعات». عليك بالجبر المعقد: يستعاض عن الأعداد برموز، وتجري علمية الجمع والضرب. الرمز قد يعني حياً بأكمله، قرية بأكملها، مدينة بأكملها. هذا أسهل، وينجز المهمة أسرع.

سألتني صديقة لماذا أكتب بعاطفتي، ولا أرى أبعد من الدماء التي تغسل الشوارع؟ وها أنا ألجأ إلى الجبر. هل هناك أكثر منه.. «تعقلاً»؟