الكل يدور على نفسه. «عرش الفيفا يهتز تحت أقدامنا»، قالها جوزيف بلاتر، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، مشككاً في قيم ومثل لطالما «آمن بها» في عالم الكرة. الفيفا تهتز في عالم يهتز. وعالمنا العربي ليس أقل اهتزازاً، حيث الملايين من الشباب يجدون دوماً الوقت لكي تتدحرج حماستهم مع كرة الفيفا، في استراحة مستقطعة من جحيم الأيام التي يعيشها جزء منهم، ليس أقل اهتزازاً.

ففي منطقة يسيطر الشباب على تركيبتها العمرية بنسبة تتجاوز ستين بالمائة، يتعلّق جلّهم بمتابعة كرة القدم ومعرفة أنباء اللاعبين والمدربين محلياً وعالمياً، قد ينافس خبر «فساد» في الفيفا، أخبار أخرى عن قتل بالجملة، وعقاب جماعي لبلدات ومدن، والاقتراب من انتهاء ظاهرة «غريبة» ودموية اسمها القذافي في ليبيا. وقد يضطر المشاهد منا، أن يلمّ نشرة الأخبار من طرفيها، مفتتحاً بالخبر السياسي، ومنتظراً حتى النهاية، موعد الانتقال إلى الخبر الرياضي.

لكن، لا يشعر الشعب العربي بصدمة بلاتر، ولن يكترث كثيراً لـ«منظومة أخلاق وقيم رياضية تنهار في عالمه»، فعالمنا انهارت فيه هذه المنظومة من زمن، منذ أن حوّلنا حفنة من الطغاة من مواطنين إلى رعايا مضطهدين، ومنذ أن تأكد لنا أن قول كلمة الحق والمطالبة بالأخلاق والقيم في الحكم والمعاملة تستدعي تسديد كرة ضخمة نارية في مرمى أعمارنا. كرة قاتلة تهشّم الجمجمة وتخلع الكب من مكانه وتصدم القلب في هشاشته. ومنذ أن تحولت ملاعب كرة القدم في بلادنا إلى سجون ومعتقلات جماعية، تغيّر شكل الملعب واللاعبين والكرة.

عالمنا يهتز، وقد عرفنا قبل بلاتر معنى الفساد الحقيقي، والانهيار الحقيقي لأسطورة الإنسانية الجامعة، فأطفال قانا وغزة وبغداد لا تشملهم «الإنسانية» الكونية وأطفال درعا ومصراتة وتعز لا تشملهم «الإنسانية» العربية. هو زمن يدور فيه أفراد القرية الكونية حول أنفسهم، يغرقون في همومهم الصغيرة، مثل مستقبل كرة القدم، أو العظيمة مثل مستقبل كرة النار الجحيمية. ترقص أيامنا رقصة الموت، وبعضنا «يهتز» لأزمة الكرة العالمية. رقص برقص: إنه زمن.. «فيفا» عبده!