«مرحبا بكم، هنا ملحمة». وكل ملحمة بطولة. ولكل بطولة بطل. ولا يعرف أحد من المغرمين بالدجاجة والبيضة، هل ولد هوميروس من رحم الإلياذة أم أن هذه هي التي "فقست" هوميروس؟ لكن الثابت أن في الملحمة أسطورة، وأنها مجد من خيول وغبار وسيوف ودماء وصيحات الانتصار ودموع الفرح. وهي تعكس مواجهة للقوى الخارقة، من الطبيعة التي ترعد فيشقّ رعدها جبلا، مرورا بحصان له رأس إنسان يحمل سيفا مسننا، وصولا إلى الحسناوات اللواتي يرتمين على صدر البطل المخلّص.

وما خلف ذلك وفيه وبعده، حكايات وقصص، أمكنة وشخصيات، شعر ومسرح وخيال. وبعد ثلاثة آلاف سنة، قرر أناس عاديون، ليسوا نبلاء ولا أبطالاً، ليس فيهم وفاء الحصان، ولا تقدر صرختهم على أن تجعل هضبة صغيرة تتزحزح، أن يتلبسوا ثوب أبطال الملاحم. في وطننا العربي اليوم حكام ينظرون إلى المرآة كل صباح ويقولون:" صباح الخير.. أنا ملحمة".

لكنهم فهموها خطأ. أو نفذّوها خطأ. أو نفذوها بشكل صحيح. لا أحد يعرف إلى اليوم العلاقة بين الملحمة واللحم. ولماذا نسمي باللغة العامية، ملحمة، المكان الذي نعلق فيه لحما طريا، براقا شهيا، بعد أن نسلخ جلده ونصفي فائض دمائه؟ وهل صاحب كل ملحمة، على هذا المنوال، يمكننا أن نطلق عليه اسم "هوميروس"؟ هل قتل "هوميروس" حمزة الخطيب؟ هل حصد الشاعر الأعمى، في إلياذته، أرواح المئات خلال دقائق في ساحات الحرية في تعز وصنعاء؟

هل كان لأخيل تلك القدرة على القتل السهل والسريع، والتي لا تضاهيها إلا سرعة عربة بلدية ماكينة تحصد حشرات الناموس من الساحات في صباح يوم رطب؟ هل ألقى بطل الإلياذة على السكان في مصراتة أسلحة كيماوية، واغتصب الفتيات القصر ومثّل بجثث الأطفال؟ أليست هذه كلها صور من "الملاحم" التي يخوضها حكام هذه الأيام في وجه شعوب مسالمة تهتف للحرية والعزة والكرامة؟ أرادوا المجد بقتل شعوبهم. فهموها خطأ: الملحمة لا تعني تعليق الشعوب بالمقلوب وسلخ جلدها ونحر رقابها وبيعها.. بالكيلو!