أقتبسُ اليوم من خواطر الصديق الشاعر إسماعيل حيدر من ملامح من ليل المدينة في ديوان أفكاره: الى مطر قديم. يقول:.. يسري الخوف كثعبان شارد، ويخوض في الأنفاس المتعبة لعنة الانتظار.. تخفق الصدور مثل طبول جنائزية... أردد الخاطرة، فيما ليل عربي يشغلني. أفكر في رجال وفتية على السطوح. ينتظرون انتصاف الليل، ويتمنون، للمرة الأولى، ألا يكون في السماء قمر. تسرّب النسوة إليهم حزمات الشموع. يسألون عن الأطفال. يطمئنون على الفتية. الخوف عليهم لم يكن قبل اليوم أعظم مما هو عليه هذه الأيام. باتت مراسم جنائزهم تبث مباشرة على قنوات التلفزة الإخبارية. لا أحد يريد أن يفتقد ولده، فيعود إليه، عبر الشاشة، بأبشع صورة.. كونية. هل ناموا؟، إطمئن، أقفلت الباب بالمفتاح، يتحاور رجل وزوجته بهمس، كمن يتداولان سراً. يشعلان الشموع وينتظران. باقي على الساعة الثانية عشرة أربع دقائق.

آخر بحّ صوته. لقد دأب على التكبير كل يوم من على شرفته في الأيام الفائتة. يشاهد نشرة الأخبار ويخرج إلى الشرفة، يزيح خرقات القماش من على حبل الغسيل، يصدح بصوت جهوري: الله أكبر على الظالمين.. الله اكبر على الظالمين، ثم يعود إلى كنبته. للوهلات الأولى، ظن الجيران أنه فقد عقله، ضحك الصغار في الحيّ، وأحرق الخباز طرف إصبعه وقد شتته الصوت عن عمله، فيما سأل بائع الورد في الدكان المقابل إن كان العم يرغب بوردة. لكن، بعد وقت، سمع الجميع عن دعوة وجهت لأهالي المدينة بركوب سطوح الأبنية والتكبير كل ليلة، وقالوا: فعلا، لقد سبق الكل.يحمل شمعته وينتظر. يتسلل الثعبان الشارد من صدر إلى صدر. ثعبان الخوف والقلق. يثقل على الأنفاس. يكاد يخطفها فيما الجميع يعيش لعنة الانتظار. ترعد الصور الجنائزية في الذاكرة. تبرق وتنير الليل الحالك. عقرب الساعة يشق الليل في نصفه. ترتفع التكبيرات من سطح فيرد صدى لها على سطح آخر. تختلط الأصوات. كأنه صباح للعيد. تذرف دموع. يخاف الثعبان. يحترق بنار الشموع. يهدر التكبير أكثر. ينقذ الأطفال من كوابيس!