وأنا لا أرثيك.. فأنت ذاهب للوادي وستعود، محمّلا بصعتر وعوسج، وبسلّة من زهر البابونج الأبيض علمتك نساء الحيّ كيف تصنعها، ووقفت في ساحة بلدتك "الجيزة" في درعا، تعرضها على أصحابك وتقول: صنعت سلة معقّدة، غدا أصنع محرك سيارة. وتطل السماء على حلمك، وتشعّ نجمة من بعيد، فتتأكد أنك مغادر لا محالة، فجلّ رجال بلدتك في بلاد الاغتراب، وأنت ستكبر بعد قليل وتغدو رجلا، ونسوة الحيّ صنعن لك سلّتك من الآن.
"لكنني، لكي أغدو رجلا، عليّ أن أتصرف كما الرجال، سأذهب الى التظاهرة، أحمل لافتة، أهتف، أصرخ، وأتأكد أنني رجل". قلت وذهبت ولم تعد. وقالوا: في "الزيدي"، في الوادي، تتدرب مع أبناء خالتك على الفتوّة، كما عادتكم. تلعبون لعبة "الشرطي والحرامي".. يختبئون في الكهوف الأثرية وتبحث عنهم. لطالما فضّلت أن تكون الشرطي.
ودخلت في كهف مظلم. كما النفق هذا الكهف، ولم تخف. استعذت بالله وبحثت عن النور، شدك طريقه فاهتديت إلى المنفذ. خرجت وتعرفت على المكان: هذه "خربة خرز". هناك وجدت أحد الأشرار مختبئا وراء صخرة كلسية.. "قبضت" عليه.
تتنقل بخفة فراشة في مجرى الوادي. هذا موقع "زيزون"، وهذه الأنفاق المرسومة على الجدران خطها الإنسان القديم، الهمجي، بأداة صوانية حادة. تذكرت درس التاريخ في الصف الثاني الابتدائي، والرحلة مع الآنسة سناء التي سألتها: هل كانوا يقطعون اللحم بحجر الصوان المسنن؟
ومشيت طويلا، حتى "تل شهاب"، المكان الذي تحب. وقفت تتأمل في الطواحين الأثرية والشلالات. ومن خلف الشلال تراءى لك كهف جديد؛ دخلت. رجل أمن ينتظر في الداخل. ارتميت في حضنه. قلت له: أنا أيضا رجل أمن طيّب. ولم يكن طيّبا. وكان يحمل في يده حجر صوان مسنن.
. وكان همجيا لم يخرج أبدا من كهف الظلام والخوف والوحشية، بعكس ما تبدى عليه. وأومأ اليك، فاتبعته بريئا طاهرا فتيا..
وأنا لا أرثيك، فنجمة في سماء الإنسانية انطفأت. أسدلت ستائرها. أغلقت نوافذها لاستقبال زائر جديد. تراك، حمزة، هناك؟