ليس صعباً أن تكون عاملاً في مشرحة. فعلى الأقل لست الميّت. أقول لنفسي وأنا أفكر في الرجل الذي يقول شرح الصورة المنشورة في الصحيفة إنه "عامل مشرحة يتفقد قتلى حصيلة الاشتباكات أمس في اليمن".
وسواء كانت المشرحة في بغداد أو صنعاء أو طرابلس، فإن الحكاية واحدة، ورجل المشرحة يتمتم بآيات قرآنية وأدعية، في كل مرة يستقبل فيها "ضيفاً" جديداً. أفكر بأن قارئ المقالة اليوم قد يتطيّر من ذكر الموت، والمشرحة بصفة خاصة. فمن منّا، بالفعل، يريد أن يقرأ موضوعا عن عامل المشرحة؟
قبل أيام، جرى حوار بيني وبين زملائي حول أناس يعملون في مهن "مدهشة" لشدة بأسها: هذا الذي ينتظرك في مراكز التسوق أو الفنادق الفاخرة داخل الحمام لكي يناولك بعد غسيل يديك منديلاً، وزميله الذي يدور طوال النهار في مساحة لا تتعدى الأمتار القليلة لكي يتأكد من أن البلاط يلمع، وأن أحداً لن يشتكي. وذلك الذي على الطريق يحمل راية حمراء لكي يلفت نظرك إلى أن هناك "تحويلة" ما أو أشغالاً.. يحمل راية حمراء لكي يمنع عنك الخطر..
كانت الأفكار عن هذه النوعية من المهن تتداعى، وقد بدأت بإيحاء من صورة طالعناها في الصحيفة، ضمن موضوع يناقش المعايير المحترفة التي يتبعها أحد المستشفيات في تركيب علاج مرض السرطان أو ما يعرف بالكيماوي. كان في الصورة رجل يرتدي قفازات مطاطية حتى منتصف ذراعه، مع قناع على وجهه، ويبدو مشغولاً بتركيب الدواء.
فكرت أن هذا الرجل يبدأ صباحاته مثل جلّنا: يغتسل، يتناول فطوره، يشرب القهوة، ويذهب إلى عمله لكي يواجه أخبث الأمراض كل دقيقة. عامل المشرحة في صنعاء بدا أقل هدوءاً.
ربما لأنه لم يعتد على هذا الموت الكثير يزوره في يوم واحد. على جثث مدماة لشبان في عمر الفتوة. بدا مصدوما وهو يفتح جرارا ليغلق آخر.
ربما، في لحظة التصوير، لعن في داخله رئيسا يجر شعبه إلى الموت.
لكنه حمد الله أنه.. ليس الميت!