يصفّقون له. يقفون إجلالا. يتبادلون الابتسامات. تشعّ عيونهم. تتلوّى رقابهم فرحا. يطيلون التصفيق. يلتقطون الإيقاع. ينظمون حركة الأيادي تبعا لهذا الإيقاع. عملية التصفيق ليست مجرد جلبة تخرج عن "طرق" الأصابع بالأصابع أو باطن الكف، إنها رسائل مدسوسة، بلا كلام.

 

. التصفيق فنّ القول الصاخب. وهكذا، صفقوا له. يحبونه، لما لا؟ يعتقدون أنه الأصدق، وأنه الأكثر "رجولة" وشيما وأخلاقا، وحرصا على أن يصبح الكون أكثر إنسانية، و حرصا على أن يفوح عطر المحبة في كافة أنحاء المجرة. لأنه حامي مصالحهم، وباني عقائدهم، والمتستر على جهلهم، وعقدتهم الأبدية التي لن يتخلصوا منها، إلا إن صفقوا، وصفقوا أكثر.

 

" كان ينقصنا راقصة تدور في القاعة على إيقاع التصفيق"، قال لي أحدهم. وأردف أنه أطلق على هذه الواقعة، التي شملت الدخول المسرحي، والاستعراض، ثم رد التحية، والخطاب، ثم التصفيق مجددا.. أطلق عليها اسم "خطاب الراقصة". هي رقصة الموت ونسف أي أمل بحياة أفضل لمن يطلبها. هي رقصة همجية من أغوار كهوف التاريخ المظلمة، .

 

حيث القاتل يفني ضحيته ويرقص فوق الجثة . إنها رقصة النار والدخان التي أحرقت أكفّ المصفقين وألهبت مشاعرهم. وقلت لهم: لماذا تسخرون؟ لماذا تستكثرون عليه هذا التصفيق الراقص؟ إنهم يحبونه حد العبادة، ويوقرونه حد الفزع، ويصدقونه حد الخرافة، لكن.. هل لديهم خيار آخر؟

 

حين تكون دمية في يد تمسك بخيطان مفاصلك، هل تستطيع أن تعترض على طريقة تحريكك؟ هل بوسعك أن ترفض انحناء رقبة أو انبطاحا على ركبتيك؟ حين تربي قردا على إطاعتك، ألا يكون بمقدورك أن تطلب منه أن يقوم بحركات مضحكة، أن "يعجن كما الفلاحة" .

 

ويتشقلب كما مهرج السيرك ويبكي كما النائحة ويركب الدراجة من دون عجلات ويتسحب على بطنه كما الأفعى أو الجندي المجروح. لماذا نسخر من المصفّقين لنتنياهو و"غير" نتنياهو.. فلا ضمير يوعز لهم بالصمت ولا شجاعة تجعلهم قادرين على قول كلمة حق، في وجه الجور، حتى لو اضطر الأمر إلى طردهم من القاعة أو.. الحياة!