"أنا. اسمي انا. وطني أنا. شعبي أنا. العصافير، الأشجار، ضحكات الأطفال، حكايات النساء، عزيمة الرجال، حكمة الشيوخ، صرخة المواليد الجدد، صرخة الحياة، ترنيمة الموت.. أنا. الأول والأخير. العظيم المتعملق، عميد الحكام، ملك الملوك، الممانع الوحيد، صانع القاعدة، قاتل القاعدة، ضمانة الإرهاب، ضمانة القضاء على الإرهاب.. أنا. أنا الفكرة والجملة والشعار، والصورة على جدران الكنائس والجوامع وواجهات محال الرزق ومدارس الطلبة وأسوار الجامعات، والصورة في كتاب التاريخ وكتاب الجغرافيا وكتاب "العقيدة" وكتاب "ارسم ولوّن"، وأنا التمثال الذي يشرف على يومياتكم، وينتظركم تدورون حوله وتقدمون الولاء والتبريكات كل صباح وكل مساء".

طفل بلا أب. بلا أم. بلا أخت. بلا أخ. أبوه قتل في تظاهرة، أمه قتلت في تشييع تظاهرة أبيه، أخته اغتصبت، فيما أمه تلفظ أنفاسها الأخيرة وأخوه في المعتقل لا يعرف عن خبر انتحار أخته. الطفل يتيم. لم يتبق لديه شيء. يصرخ:" لا، لا نريدك، لا نحبك".

الصوت يرعد: " أنا. اسمي الجحيم. شعبي خرافي. أذبحها متى شئت. وطني مزرعتي، أحرقها متى رغبت. العصافير أسلّخ ريشها، الأشجار أحوّلها إلى رماد، ضحكات الأطفال اشنقها، حكايات النساء ألبسها الأسود، عزيمة الرجال أفتتها، حكمة الشيوخ أحتقرها، صرخة المواليد الجدد أخنقها، صانع القاعدة والاستثناء، قاتل القاعدة وعميلها، ضمانة الإرهاب الأبدي ضد أبناء جلدتي. ضمانة القضاء على إرهاب الأفكار ورهابها.. أنا. أنا الفكرة التي إن لم تغسل أدمغتكم، سأجعلها ماء من نار تشوي هذه الأدمغة، و أنا الجملة التي إن لم ترددوها مع ادعيتكم، لن يبقى لكم لسان، وأنا الشعار الذي أكنسكم به، والصورة التي تصنع ذاكرة أيامكم، والتمثال الذي إن سقط سينهار العالم..

أنا قبل الطوفان، ومن بعدي. وسأظل أنجو، وأستقل سفينتي، إلى الأبد".

الطفل اليتيم يقترب من الصوت الراعد، شاهرا في وجهه علبة حليب: خذها، فأنا لا أحتاج إلى حليب كي يشتد عودي. صور موتاي تمدني بالحياة. وسأكبر. ويكبرون في كل مكان. وستندثر، لا محالة!