كنا صغاراً. أطفالاً يكسرّون ألعابهم، يتركون بقايا الطعام في الصحون، أو تحت الطاولة، ينسون، أو يتناسون، معطفاً في «الأوتوبيس» أو ملعب المدرسة، يتخلّصون من حذاء لأن لونه بهت، ويطالبون بحذاء جديد يلمع. كنا لا نعرف كيف يأتي الآباء بالأغراض التي يشترونها، نظنّ أن كلّ ما نرغب به سهل ومتاح، حتى لو كان الزمن ضنكاً، والأب يذرف عرقاً غزيراً لتأمين قوت العيال، ونفقات الهندام والمدرسة والنزهات.
لم نفهم أن رفاهية تبديل الأغراض كلّ يوم ليست من شيم الطبقات المتوسطة الكادحة، وجلّنا منها.
الأمهات انتفضن، وفي إحدى جلساتهن السرّية، من تلك التي يقمنها في المطبخ، بعد منتصف الليل، وخلود آخر طفل شقيّ إلى فراشه، مجبرا لا بطل.. كنّ يضعن مع الأزواج الخطط التي تضمن ترشيد السلوك الاقتصادي للأبناء من دون خلق «عقدة نقص» في نفوسهم.
في هذا الجو، أجزم، أن فكرة عبقرية لمعت في الفضاء. فكرة مضيئة لا تظهر على كثر ( الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، على سبيل المثال، لا تضيء الأفكار المضيئة فوق رأسه أبداً).
فحوى الفكرة: أن نلقّن العيال درساً ونوهمهم أن كل ما يرمونه «ظلماً وعدواناً»، ويتخلصون منه في سلة النفايات أو تحت كرسي طاولة الطعام، سيهاجمهم ذات ليلة ظلماء.. لكي ينتقم.
ستمطر السماء كلّ حبيبات الأرز التي تركناها في الصحون، فتغرقنا، وستهاجمنا أحذيتنا القديمة وتضربنا صارخة «لما تخليتم عنّي وأنا من نذر حياته لمسيرتكم»، وتخرج الألعاب المكسّرة في تظاهرة تطالب بردّ عين أو وصل ذراع.
عليّ أن أعترف بأن «خطة المطبخ» نجحت لبعض الوقت، حتى كبرنا وعرفنا أنها محض أسطورة، أهدافها اقتصادية بحتة.
تذكرت ذلك كله وأنا أتناقش مع صديق حول «قيادة» الطغاة لبلادهم. وتساءلت: هل تأتي عليهم ليلة عاتية مظلمة، يهاجمهم فيها كل ما أو من تخلّوا عنه.. بدم بارد؟ هل تطوف الجثث والدماء والأشجار والمباني والميادين والساحات والإسفلت والاسمنت والبنايات والحدائق فوق رؤوسهم.. لقد تخلّوا عن أوطان بأكملها، فمتى تهاجمهم؟