سقطت قناة «الجزيرة» أول من أمس في أحد دروس الإنسانية. أعرف أن الكثير ممن يقرأون هذه المقالة ينتظرون مني منذ زمن بعيد عبارة مشابهة. لكنني سأوضح: ليست «الجزيرة»، ولا أية وسيلة إعلامية، منزّهة عن الفشل تجاه استحقاقات والنجاح في أخرى. ولم يرف للقناة، منذ بداية «الربيع العربي»، جفن في متابعة الأحداث وتسيير التغطية الإخبارية بما يتلاءم مع المطالب الشعبية ويخدمها، في وجه أعتى طغاة العالم، لذلك استحقت احترام الملايين، والسخط والتخوين في دوائر الحكام المهددين. ولم تضاه أي قناة عربية وعالمية تغطية «الجزيرة» للذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين قبل أيام. إذ جنّدت مراسليها وقسّمت شاشاتها إلى 12 شاشة مختلفة وبثت على الهواء صورا وآراء وتحليلات حول مسيرات العودة. وفي الشأن السوري، حيث تواجه القناة أعتى معركة، حول مصداقيتها وأجندتها، لم يكف ممثلو النظام، من أمثال النائب في البرلمان خالد عبود أو الباحث طالب إبراهيم، من التناوب على الظهور، بشكل شبه يومي، في نشراتها وبرامجها المسائية، وهذا دليل آخر على نجاحها في الشارع السوري، وإلا لاكتفى أولئك بالفضائية السورية أو «الدنيا»؟
وأعود إلى ما بدأت به، فقد نقلت القناة خبر انسحاب آخر جندي بريطاني من العراق بـحيادية تشبه لهجة «سي ان ان»، وكانت «بي بي سي»، الانجليزية ذاتها، لكي تنقله بشكل مختلف. استفتت القناة في إحدى نشراتها رأي مارتن دي الناطق باسم الحكومة البريطانية الذي عبّر، من الكويت، عن طموحه برؤية عراق مزدهر ومفيد، ونحن دعمنا ذلك وسنبقى.
فجأة محت القناة ذاكرتها، فاستحضرنا ذاكرتنا، حيث جنود بريطانيا يرتكبون جرائم حرب في العراق، يعرّون السجناء، يعذبونهم بأشد الوسائل . لم تشر الجزيرة إلى تقارير الصحافة البريطانية ذاتها، مثل «غارديان»، حول ضلوع الانجليز بعمليات تفجير لبيوت مدنيين، أو تقارير روسية تدلل على دور الاستخبارات البريطانية في الوقوف وراء تفجير كنائس من أجل «شيطنة» صورة الإسلام.. هكذا إذا، بكل بساطة، يودّع العالم، جنود الغزاة بوردة وابتسامة ولا أحد يشير إلى الدماء التي تلطخ أياديهم؟