هناك شيء مشترك بين شاكر العبسي، الإرهابي قائد تنظيم «فتح الإسلام، وبين الصاعقة التي تشعل شررها في السماء، وتضرب الأرض قاتلة مسعورة، وبين رصاص أمني «طائش» على الحدود الشمالية للبنان. المشترك بين ما يوحي للوهلة الأولى بأنه متناقض ولا تشابك فيه، هو بلدة صغيرة في منطقة عكار في الشمال اللبناني اسمها (تل معيان). إنها من نمط تلك البلدات التي تذكرها «ويكيبيديا» بأربعة سطور لا غير: «بلدة لبنانية تقع في محافظة لبنان الشمالي، قضاء عكار، وترتفع عن مستوى سطح البحر 1100 متر. تبلغ مساحتها 4 آلاف دونم، ويبلغ عدد سكانها نحو 6000 نسمة، يتألف مجلس بلديتها من 12 عضواً».
لكن هذه البلدة الصغيرة «ملعونة»، إذ إن أبناءها البسطاء، غالباً ما يقتلون ظلماً وعدواناً أو مصادفة، الأمر الذي يجعلها تتصدر واجهة الأحداث. في عام 2007 قتل طارق حمود، أحد أبنائها، عنصر الجيش اللبناني، أثناء المواجهات مع عصابة شاكر العبسي الإرهابية في مخيم تل البارد. وشاكر العبسي هو غصن «أزهر» في لبنان من شجرة ابن لادن والزرقاوي، قبل أن يصار إلى جزّه. «أبو وحيد» قتل في البلدة ذاتها أمام مزرعته في 2008، بعدما أصابته صاعقة هبطت عليه من السماء. إنه قتل «المصادفة»، وهي المصادفة ذاتها التي قد لا تنطبق على قتل فاطمة قاسم، ابنة البلدة، قبل يومين، بطلقات رصاص هاجمتها من وراء الحدود السورية. المواطنة اللبنانية كانت للتو قد عبرت الحدود. كانت في سوريا؛ تزور أهلاً ربما، تشتري لحم غنم رخيصاً، أو مازوتاً، أو غطاء للسرير من «سوق الحميدية».
لا أحد يعرف لماذا قتلت فاطمة، لا أحد احتج، ولا طالب بـ«ضبط النفس»، ولا بالتحقيق في اختراق سيادة «البلد الصغير»، ولا بالتحقيق في مقتل المرأة البائسة التي حاول جندي أن يسعفها فقتل معها. فإن كنت مواطناً من بلدة بحجم تل معيان، قد يقتلك العبسي أو الصاعقة أو الأمن السوري، فتصبح بلدتك شهيرة، وتتصدر الأنباء، وتدفن أنت تحت التراب، وتحت.. الذاكرة!