ثم جاءت العروس. على رأسها تاج الزيتون وحول عنقها تدلت قلادة المفاتيح. زغردوا لها، نثروا الرز وأوراق الورد وماء الزهر، طأطأوا الرأس لبرهة، ففي حضرة فلسطين ينحني الجميع. قالت: أنا هنا، باقية لم أرحل، ثابتة لا أتحول، جميلة لا أكبر. أمل الشجعان وحلم الأحرار وبارقة الحياة في نفوس البائسين. أنا وطن يرسم خرائطكم، ودعاء يختم صلواتكم، ومعنى يمدّ، بالزخم، حكاياتكم. أنا الأبيّة العصيّة، تقطع الحدود من أجلي، تقطع الأسلاك الشائكة، يتوحد دم الشتات على طرف ردائي، أرفع أحبائي كل يوم إلى حضني، يقبّلون جبيني، يعلّقون مفاتيحهم في قلادتي، ينتقون حبات الزيتون المباركة من تاجي.. ويصعدون.
« ما اسمك يا حلوة؟»، قالت العروس لحورية حسناء، اصطبغ وجهها بحمرة من خفر. قالت: اسمي تلكلخ، أتيت من مكان قريب. ردت العروس: ولما أنت هنا؟ قالت: أحمل لك من أهلي السلام، وهم يطلبون شفاعتك، يا شفيعة الضعفاء ونصيرة المعذبين، ويلوذون بحكمتك. لطالما تعاملت مع رصاص الظالمين.
أهلي أيضا في مرمى الرصاص. ماذا يفعلون؟ في هذه اللحظات، طفل صغير تقدّم. سوّت العروس طرحتها وانحنت. أسر في أذنها بكلمات. لم يسمع أحد من الحاضرين ما أسرّ به الملاك للعروس فلسطين. وإنما ملامحها تبدلت فجأة، وبدا وكأن غضب الدنيا قد تجلّى على وجهها. قبّلت الطفل، مسحت دمعة من عينها، عدّلت وقفتها وخاطبت من حولها: «وأنا ارفض أن أكون مطيّة لفرسان الظلام، وزيتوني علقم مرّ في فم نيرون السفّاح، وزعتري شوك على جبين كل خائن لوطنه، ولتنبت حقول من برتقال حامض ينخره الدود في بطون من تغذوا على دماء مريديّ في كل مكان. لتحلّ عليهم لعنة السماء وترمي كل أمنية معلّقة في سمائي بشررها فوق رؤوسهم.. فأنا، فلسطين، لا أحيا إلا بإيمان الصادقين ولا أموت إلا بدموع الخائنين المنافقين».
لم يعرف أحد، حتى لحظة كتابة هذه السطور، السبب الحقيقي الذي «عكّر» مزاج العروس، ولا سر ذلك الطفل الملائكي الذي اختفى مخلفا وراءه كراسة زرقاء خطت عليها أسماء بالأحمر!