بيروت من وهم. عجوز تحمل عصا، ترابط وراء نافذتها، تراقب الآتي والذاهب، متجهمة، جاحظة، تلعق أسنانها، فتبدو للناظر إليها كمن يعلك شفتيه. بيروت من كذبة. من إشاعة تقول أنها ذات يوم كانت رصيفا للمنبوذين، وأملا للحالمين، وخشبة خلاص للهاربين، وملجأ لمن ضاقت عليه الدنيا، وأصابه رهاب الوطن وقتله الأخ وخانه الصديق. لكنها، بالأمس القريب، .
وكدأبها منذ سنوات، وقفت عاجزة عن إغاثة المنكوب. جاءها جيرانها، عبر الحدود، يحملون «قففا» لموا فيها قماشا على عجل، يستنجدون بها أن تحضنهم وتقيهم شرور القتل والتعذيب والاعتقال.. جاؤوها لأن أهلا لهم فيها، وأقارب فيها، وأملا فيها، وحلما فيها.. فخذلتهم!
وبيروت في قصيدة الشعر بهية باهية، ساحرة مسحورة، مغناجة غاوية، أم وأب وصديق ووطن، حضن للفكرة المضطهدة وحبر للقلم المعتقل.. أليس نزار قباني هو من سماها «ست الدنيا» منشدا « يا حقل اللؤلؤ.. يا ميناء العشقِ.. ويا طاووس الماء..». أليس محمود درويش من اعتبر «بيروت نجمتنا.. بيروت خيمتنا». لكن الشعر وهم، وبيروت من وهم، والعجوز حملت عصاها وطردت الزوار اللاجئين كمن «يهشَ» الذباب.
وبيروت غير مخيرّة. بل مسيّرة. تسيّرها فئوية وطائفية ومصالح قبائل وعشائر. لا يجمعهم فيها غير اسمها، فيما تفرقهم كل الأسماء والعناوين المتبقية. لذلك، فهي، وبعكس ما ترّبت وشبّت في زمن سحيق، لم يعد يغريها أن تفتح بوابتها لجريح يأتي من بعيد، تحت المطر، نازفا، هائما، لا يعرف إن كان قد قُتل أخوه أم هو الذي قتل أخاه. لم تعد بيروت هي «مدينة العالم» كما وصفها ربيع جابر في ثلاثيته المؤثرة. إنها مدينة تخشى العالم، فتصد أبوابها، ناسية منسية.
وبيروت تعيش في جبنها، وتخاف أن توزع كسرات الخبز ورشفات الماء على المنبوذين اللاجئين إليها، فتعيد إليهم «قفاتهم» وتطلب لهم سيارة أجرة لكي يتكدسوا فيها ويعودوا من حيث أتوا، ولا تتأنق ولا تتكرم ولا تدفع، حتى، حساب السيارة. فـ« ست الدنيا» كبرت وهرمت وخبأت قروشها في صدرها.. باتت بخيلة!