بالأمس خرجت حمص من «النكتة». لطالما نسج السوريون الطرائف عن الشخصية «الحمصية». لا أعرف جذورا تاريخية لهذا الأمر، لكنه متداول في ثقافات مختلفة. يسخر الانجليز عن الشخصية الايرلندية والسكوتلندية. كذلك اللبنانيون عن أهالي صيدا الساحلية الجنوبية. في مصر هناك أهالي الصعيد.. يحتاج الأمر إلى خبير في الانتروبولجيا والثقافة الشعبية ليحلل أسباب اختيار مجموعة معينة من الشعب لكي تكون مرمى سهام «النكتجية»..

 

لم أزر حمص، لكن علاقات صداقة وطيدة جمعتني بسوريين منها. وقد عرفت فيهم الطيبة وعزة النفس، كما الولاء الشديد للمقربين منهم، والشجاعة في قول كلمة الحق، وقبل ذلك كله، شخصية دافئة ودودة. وهذا قد ينطبق على أهالي ايرلندا أو أهل الصعيد والصيداويين، ولذلك، ربما يتم استهداف الطرفة لهم، لطيبتهم الزائدة. وشخصيا، لست ممن يميلون إلى السخرية من الطيبين بسبب طيبتهم.

 

لكن حمص ليست نكتة. ولا أهلها الذين سقط منهم أول أمس ضحايا عن الشرفات بقصف مدفعية الدبابات. ولا بوابات المدينة التي انهارت فوق رؤوس العابرين. ولا تليق بهم، .

 

كما بغيرهم من أبناء الشعب السوري وأي شعب عربي معذب، تلك الصور المتداولة عن حثالة الجبناء المسماة «الشبّيحة» تقنص عن السطوح، وتخفي المسدسات في ملابس مدنية. في حمص قد يقتلك رجل، بقميص ابيض وسروال اسود و«جيل» على الشعر.. ودم بارد.

 

حين يردي قاتل من عصابة «الشبّيحة» ابن حمص قتيلا، أتراه يفعل ذلك وابتسامة ترتسم على شفتيه؟ أليس هو «الحمصي» ذاته الذي لطالما أضحك أهالي سوريا؟ أليس «الشبيحة» أيضا سوريون؟ ألا يضحك القاتل؟ ألا ينقلب المجرم في حدود إجرامه القصوى إلى طفل ارعن، أو مجنون يهذي؟

 

خرجت حمص من نكتتها. لبست أسودها. أطفأت مصابيحها. رسمت، بقلم دام، قوس الحزن على وجهها. لكنها، قبل أن تهجر النكتة، علّقت واحدة أخيرة على بوابتها:« واحد حمصي سألوه عن بيته، رد: عند أول دبابة تنعطف يمينا وعند الثانية يسارا، في آخر الزقاق، ثمة رأس مقطوعة ومعلقة على الشرفة. تلك رأس أبي وتلك شرفة بيتنا».