وقالت السيدة بثينة لصحيفة «نيويورك تايمز»، إن «الأصعب قد مرّ، وكل شيء بات تحت السيطرة». ومرت شحنة كهربائية مباغتة في دماغي، لا أدري إن كانت لفرط الصدمة أم «فرط» العائلات التي تذكرت أن جل رجالها ونسائها باتوا في المعتقلات. ومرت فكرة تغيير موجة الإذاعة التي نقلت النبأ، أو إحراق المذياع، أو التحليق بالسيارة فوق الجسر. كنت بحاجة لأي رد فعل عظيم يوازي التصريح العظيم للسيدة بثينة.

والسيدة بثينة، لمن لا يعرفها، «مبشرة». ليس في الدين ولا الوعظ الأخلاقي، «لا سمح الله»، ولكن في السياسة. وهي متخصصة في التبشير بالإصلاح. وهي تتمتع بكلمة حاذقة وفكرة حاضرة وشعارات حاضنة، وربما، في أعماقها نوايا صادقة. لكن كل ذلك لم يمنع أحد القراء من مكاتبتي بالعبارة التالية: «بتنا نخاف من إطلالاتها، حين تعد بالإصلاح القريب، انهمرت طلقات الرصاص على صدور أبنائنا كما زخات المطر، وقتلت نساؤنا واعتقل الأطفال وجاعت المدن وذبلت البيادر. نخاف أن تتكلم بثينة أكثر فنفنى ولا يبقى لنا أثر».

وقد تكون ألطف من الموجة المتشظية على صخرة نبت عليها الطحلب، وقد تكون أرق من عاصفة تخلّع الأبواب والنوافذ وتأتي بالوحل إلى طاولة الطعام والوسادة، وقد تكون امرأة، تبكي لأم فقدت وليدها، وترثي أباً فقد عياله، ويحترق قلبها لطفل سقط رأسه عن عنقه بسبب شظية استهدفت منارة الجامع.. وقد تكون إنسانة، من لحم ودم، لكن لها وظيفة محددة لا ترغب بالتخلي عنها: أن تدافع عن ضحالة الصخرة ووسخ الوحل والشظية القاتلة.

لكنها لو صمتت.. قليلاً. فيما الشموع تضاء على أرواح من فقدوا ومن سيفقدون. فيما الأسئلة معلقة حول أسماء من اختفوا ومن سيختفون. فيما رائحة الموت تفوح أكثر من رائحة الطحين من مخابز الصباح، والأرض من سيقان العشب بعد المطر، والصابون من قمصان معلقة على سطوح البيوت الفقيرة. قمصان لن يرتديها أحد. فقد رحل أصحابها إلى غير رجعة وبات «الأمر تحت السيطرة».