على الكنبة أتصفح تراتيل. أسطورة من أساطير القدماء، مزجت بطين بلاد الرافدين، ترجمها عيسى مخلوف. تطوف الكنبة فوق نهر أحمر وترتفع صيحات «إرّأ» الشرير: «سوف أقطع الأعناق. سوف أقتل وأبيد كلّ كائن حيّ. لن أعفو عن أحد حتى لا يتجدّد النسل. سوف أشلّ أجنحةَ الريحِ السيئة وكأنّها طيرٌ داجن». مجرى النهر يمر في سهل خصيب. أطفال يتسابقون على ضفته. يتوقف أحدهم. يدنو من السائل الأحمر: ماذا تحت؟

 

يقول: لعله أرجوان، لعلها فراولة، لعلها حديقة ورد ساحرة.. إرّا يتابع: دارَ الزمانُ ومرّت الساعة. سوف أزيل سطوعَ الشمس، وفي الليل سوف أحجبُ وجهَ القمر، سوف أسحقُ البلدَ وأصيِّرُه تلالاً، سوف أمسحُ المدنَ وأجعلها صحارى، سوف أهدم الجبال وأقلب البحار، سوف أطلق الأحقاد بين المدن.

 

الطفل لرفاقه: ماذا لو اغتسلنا بهذا السائل؟ ربما يأخذنا إلى دهليز بعيد، كما في قصة اليس، ربما نهرب إلى عالم الحلوى والألوان. لقد مللنا العيش هنا، والخبز الذي تصنعه أمي لا تبقى منه كسرة لي، والكهرباء مقطوعة، والمدرسة بعيدة في المدينة.. تعالوا نغطس في هذا النهر الجميل.

 

إرّا القاتل يتوعد: سوف أجعلُ حيواناتِ السّهوبِ تَجوبُ هائمةً في الشوارعِ. أستولي على البيوت وأقصِّرُ الأعمار. سوف أعطِّلُ حياةَ حماةِ العادلين، وأُجلِسُ في مكانِ الشرف الأشرارَ الذبّاحين. سوف أشجّعُ اللصوصَ على قطعِ الطُّرُق. سوف أحرِّضُ إلاهات الأمومة على إيقافِ التّكاثُر، سوف أحرمُ المرضعات من سَماعِ تَغريدِ الأطفالِ الرُّضَّع، وسوف أنزل الناس بدون كفَنٍ إلى الجحيم. أقتل الابن وأترك والده يدفنه. ثمّ أقتل الأب فلا يدفنه أحد.

 

الأطفال يغطسون إلى النهر الأحمر. لم يكن وردا. لم يكن سكرا. لم يكن أرجوانا. ذلك النهر، كان من دماء الأحرار الذين قتلهم «إرّا» الشرير في القرية المجاورة، حيث تغسل الشمس شعرها كل صباح عند منبع النهر. لكنهم حين عرفوا بالخدعة، خافوا وصرخوا وحاولوا أن «يتشعلقوا بكنبتي. كنت قد غفوت للأبد. وصوت «إرا» يلعلع: ثمّ أقتل الأب فلا يدفنه أحد..