محاصرتان من أجل ثورة. مجروحتان من أجل صرخة. مقتولتان من أجل حرية. لا تنامان، لا تصحوان، توقف الزمن على سطوح بيوتهما، وأطل من النوافذ لكي يسرق الأطفال ويخطف الأمل. يصرخ رضيع في درعا، فينقبض قلب أم في مصراتة. تثقب رصاصة عنق حرّ في مصراتة، فينطفئ نجم في سماء درعا. تهدر دبابة تحت شرفات درعا، فتموت البراعم ويجف العبير في أواني الزهور في مصراتة.
وحين يتسحب ضباب الموت الأسود من فوق عتبات الأزقة والدروب، وحين يجف الكأس الأبيض على آثار حمراء لا تزول، لا تغسل، لا تمحى، وحين يخرج عجوز من مخبئه الدهليزي يبحث عن كف الشمس لكي يقرأ طالع مدينته، وحين يبحث طفل عن ألعابه بين الركام.
فيعثر على أصابع بشرية يحملها إلى جدته، فتولول وتصرخ أن «وجدنا أصابع أخيك.. يا ويلي، أغيثوني»، وحين يأتي الأب من بعيد، من قبو التعذيب، أو التهجير، بعينين زائغتين، تتحركان ولا تريان، بجمجمة ترجرج وانف اعوج وشفاه تقطبت، لكنه يبحث عن وليده الرضيع، يحمله بين يديه ويبتسم أنه لم يزل حيا يرزق، فـ» أولاد الحلال سقوه الحليب المهرب من المخيم القريب»..
وحين لا تقو الزوجة على أن تنظر في عين زوجها، في المساء، وحدهما في الغرفة، تنوح وترثي نفسها له، تصرخ أن «الشياطين دلفوا من السطح وشدوا ثوبها، وسحبوا غطاء رأسها، وكشفوا شعرها»، فيحضنها مبددا برد الخوف والانكسار، وحين يعود الفلاحون إلى بيادرهم، يحرثون الأرض ويسألونها الغفران: لقد سقيناك دما كثيرا، فترد عليهم بورد جوري فواح، فيه رائحة الشهداء الطاهرة.
وحين يعود العمال إلى مصنعهم ويشعلون شموعا في المساءات متذكرين من فقدوا ومن افتقدوا. وحين تطير فراشات وتغرد عصافير وتملأ السطوح خيطان طائرات ورقية ملونة وضحكات مواليد جدد..
وحين يكتب الموت على «أسوار» المدينتين أنه لن يعود، وأنه أنجز المهمة، وأنه كان مضطرا لاستضافة الأحرار لكي تبزغ الشمس من جديد وتبدد ظلام الشياطين.
حينها فقط سيكتب التاريخ، بحروف من نور.. «قصة مدينتين».