كان على المقعد قبالتي يتكلم كمن ينكش في جرحه. قال: «أتعرف ما اسم حارتي؟ اسمها حارة الأرامل». في العام 1982، فيما كان جزء من العالم العربي مشغول بالاجتياح الإسرائيلي للبنان، كان اجتياح آخر يحصل على بعد مئات الكيلومترات من بيروت، في مدينة وادعة اسمها حماة، في سوريا. تم تطويقها آنذاك، كما يحصل اليوم في درعا، ودكت بيوتها بالمدفعية. قتل ما لا يقل عن أربعين ألف شخص خلال أيام قليلة. شرد الآلاف. فقد الآلاف. هدمت المساجد والكنائس. كان فبراير مأساويا ناضحا بالدماء. وهو، كان طفلا، يقف على «باب الحارة»، يراقب البيوت المهدمة، والشاحنات التي تأتي فجرا لكي تمد أذرعها الفولاذية و«تعبىء» الجثث والأشلاء.
كما لو كانت نفايات تجمعها عربات البلدية. مع النفايات نتعامل ببرودة، وبلا إحساس، بل بقرف، ورغبة بإنهاء المهمة بأسرع وقت ممكن. «كان في الحارة ثلاثة آلاف رجل لم يبق منهم إلا.. خمسة»، يقول، فيما تدمع عيناه، وأفكر في النساء، الزوجات، اللواتي ترمّلن مبكرا، وبعضهن، ربما كان في أحشائه جنين. الجنين خرج إلى الدنيا. الطفل سأل عن أبيه. ثمة صورة على حائط غرفة المعيشة تكفّلت بالإجابة. ثمة صورة ثانية في منزل ابن الجيران.
ثمة آلاف الصور في «الحارة». المراهق قرر أنه لن يهجر «الحارة» رغم الأسى ورعب تلك الأشباح التي تلتهب كل ليلة فوق السطوح تسأل عن قاتلها. ورغم رائحة الدم المعشقة في الحجارة ورغم الترنيمة الحزينة التي تخرج من مئذنة الجامع بعد كل صلاة. ترنيمة لا تكاد تسمع أو تفهم من أي غريب عن المدينة. فقط أهل حماة، أهل حارات الأرامل، يتمكنّون من سماعها وفهمها.. رغم كل ذلك، لم يترك الشاب مدينته. وانتظر. وجاء فبراير آخر، وكان من عمره خمسة وعشرين. وفاحت رائحة الدم في مصر وليبيا، وخرج في حارته منتفضا، ومعه روح أبيه. أطلق عليه الرصاص، تلقفه «أبوه» وصعد به إلى السماء. في «حارة الأرامل» لا أحد ينجو من القتل!