تحدق بك العيون حال دخولك إلى غاليري «ميم» قرب الورش الصناعية في منطقة «القوز» بدبي. ليست وجوه الحاضرين، بل هي وجوه معلقة على الحائط. الوجوه متلاشية، تم تغييبها، كما لو كانت حياة منتهية، صورة ضبابية من زمن ماض، لكن العيون. جعل الفنان العراقي العالمي حليم كريم العيون، فائقة اللون والدقة والوضوح. لكأنها تدعو الناظر إليها «أن ادخل.. اغرق في عيوني». كل شيء آخر في الوجوه الملثمة متلاش، إلا العيون. «الحب الخفي» عنوان السلسلة المعروضة، وثمة أخرى تحمل اسم «الحرب المخفية».

نعرف كيف يكون الحب مخفيا، ولكن كيف تكون الحرب، المباشرة في حقيقتها المروعة، مخفية أيضا؟ يجرني الفنان من يدي، كان للتو قد توقف عن محادثة صبايا عراقيات جئن يسألنه عن فنه، يأخذني إلى حيث صورة فتاة جميلة، بدوية، ترتدي لباسا تقليديا. تبدو وادعة وبريئة. على يمينها ويسارها صورتان اخرتان. ذات شكل الوجه إنما مشوه وشيطاني. كما لو كنت التقطت، بكاميرا عجيبة، صورا لكائنات سفلية، شبحية تهيم في الليل. تخرج من فوهات مبان ومصانع مهجورة. يشرح: «هل ترى تلك الفتاة الجميلة؟ إنها تشبه الكلام المنمق والشعارات الرنانة، عن العروبة والقومية وفلسطين، فيما الواقع خلف تلك الشعارات، عبارة عن مستغلين يقمعون الشعوب، يبيدونها. شياطين القتل».

لقد هرب كريم ذات يوم، من جحيم الحرب العراقية الإيرانية، وقضى في الصحراء، مع ناسها، شهورا طويلة. تجربة الصحراء زادت من تعمق روحي لديه يصل حد الصوفية، عكسه في أعمال، يظهر فيها التلاشي والإخفاء، والتضليل، كما هي لعبة الصحراء:« صدام وإجرام، ثم الأميركان.. كلهم مضللون، مستعمرون، حاقدون، أرادوا أن يشوهوا بغداد التاريخ والحضارة. ولكن، كما تلك العيون الشاخصة بقوة، بحدة وتركيز، روح العراقيين متوقدة، رغم التلاشي». ليس حنينا في صور الفنان، فهو يكره «النوستالجيا» ويعتقد أنها ضد الواقع، بل هو غضب، سيستخدمه في عمل يعرضه قريبا في «بينالي البندقية»: على إيقاع أغنية عراقية، تصور مشاهد بإيقاع بطيء، كيف أغسل أعلام بريطانيا وفرنسا وأميركا بحقد هائل!