رغم تحذير المدافعين عن الأنظمة المستبدة في روسيا البيضاء وساحل العاج، من التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لهذين البلدين، يتعين على العالم أن يقوم بهذا التدخل على وجه الدقة. مرة أخرى، في غمار الكفاح العالمي من أجل الديمقراطية، يتم لعب ورقة السيادة دفاعاً عن تزوير الانتخابات.
لا يجب أن تتدخل أطراف خارجية في «الشؤون الداخلية» مثل الانتخابات، هكذا يحذر أنصار الأنظمة المستبدة في روسيا البيضاء وساحل العاج، وهما النقطتان المتباعدتان على سطح الكرة الأرضية، اللتان التقتا أخيراً في تحديهما لاحترام إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة. ولكن التدخل، مارسته أطراف خارجية، ولا يزال يتعين عليها.
تضافرت المواقف العالمية إزاء التعدي على سيادة الدول الأخرى بعد الحرب الباردة، وعمد بها التفكك العنيف في يوغسلافيا خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، وقبل ذلك، انتشار الديمقراطية في أميركا اللاتينية وآسيا خلال الثمانينات.
إن هناك نوعاً من الإجماع العالمي تشكّل حول أن الأزمة الإنسانية الحادة أو المتعلقة بحقوق الإنسان، يمكن أن تبرر التدخل الدبلوماسي والاقتصادي، بل وحتى العسكري، لا سيما إذا كانت تهدد بزعزعة استقرار منطقة بأسرها. وقد عززت هذا الرأي مأساة عدم التدخل في عمليات الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
كما لعب الإرهاب دوراً محفزاً آخر، مع انطلاق الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في دعوة الديمقراطية، في محاولة لنشر الحريات في الشرق الأوسط التي من شأنها أن تستأصل دعوات الحركات المتطرفة. وقد تم تخفيف هذا الحماس في عهد الرئيس أوباما، كما رأينا في رده الضعيف على بعض الانتخابات الزائفة أخيراً.
لكن «الثورات الملونة» الديمقراطية في وقت مبكر من الألفية الحالية، في أوكرانيا وجورجيا وأماكن أخرى، وحّدت الحكام المستبدين حول الدفاع عن السيادة. خشى هؤلاء القادة من أن المشورة والتمويلات والضغط من المؤيدين الخارجين للحركات الديمقراطية، يمكن أن تزعزع الاستقرار في الداخل.
وبهذا المنطق، فإن الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف، وهو المجدد المفترض لروسيا، يمكنه أن يدافع عن الانتخابات المزورة بشكل واضح التي جرت في التاسع عشر من ديسمبر، وأسفرت عن اختيار ألكسندر لوكاشينكو رئيساً لروسيا البيضاء، والمعروف أنه آخر دكتاتور في أوروبا، ويزدريه القادة الروس، ولكن ليس بسبب قبضته القوية على السلطة. فرغم اعتقال وضرب المتظاهرين من المعارضة وقادتها في العاصمة «مينسك»، إلا أن ميدفيديف أعلن أن الانتخابات في روسيا البيضاء «شأن داخلي». وتعد الظروف والعواقب أكثر خطورة في ساحل العاج، التي تقع في غرب إفريقيا. لقد عانى هذا البلد، وهو أكبر منتج للكاكاو في العالم، من حرب أهلية في عامي 2002 و2003، وكانت انتخابات الإعادة الرئاسية الشهر الماضي جزءًا من عملية تفاوض شاقة.
وخسر الرئيس المعين «لوران غباغبو» الانتخابات لصالح منافسه لمدة طويلة الحسن وتارا، والذي تجري الآن حمايته من قبل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. ويرفض «غباغبو» التنازل، رغم الاعتراف واسع النطاق بخسارته، بما في ذلك الاعتراف من قبل القادة الأفارقة. وقام بإطلاق قوات الأمن والعنف، وسط مخاوف من أن هذه البقعة التي كانت يوماً مضيئة، سوف يخفت نورها في ظل حرب أهلية أخرى.
يواصل العالم الاستجابة والتدخل، بشكل موحد غير معتاد ويستحق الثناء. فالمخاطر في ساحل العاج كبيرة، بالنسبة للشعب الذي يعيش هناك ودمرته الحرب، وبالنسبة للمنطقة التي بدأت الآن في استيعاب اللاجئين الفارين، وبالنسبة للانتخابات المقبلة في أماكن أخرى من القارة الإفريقية.