من يصنع الحكايات؟

من يصنع الحكايات؟ سؤال يطرحه شعار معرض الكتاب لهذا العام، لكنه أبعد من أن يكون عبارة للاحتفاء بموسم ثقافي. إنه سؤال عن مصدر المعنى في حياتنا: من يمنح التجارب صوتها، ويحفظ ذاكرة المكان، ويجعل من الكلمات جسراً بين ما عشناه وما لم نعشه بعد؟ الحكايات لا تبدأ دائماً على مكتب كاتب؛ إنها تولد في المجتمع، ثم تجد من يصغي إليها ويعيد صياغتها ويمنحها فرصة للبقاء.

لا يصنع الكاتب حكاية من فراغ. وراء كل نص أسئلة عصره، وتفاصيل ناسه، وما يختبئ في الذاكرة من أفراح وخسارات وتحولات. غير أن موهبة الكاتب تظهر حين يحول المألوف إلى اكتشاف، والخاص إلى تجربة إنسانية أوسع. وحين يصل النص إلى القارئ، لا يبقى ملكاً لصاحبه وحده؛ تتعدد معانيه بتعدد العيون التي تقرؤه، وكأن كل قراءة كتابة صامتة لحكاية أخرى.

من هنا تتجلى قيمة معرض الكتاب. فالمعرض ليس احتفالاً بالأغلفة ولا سباقاً في أعداد الإصدارات، بل مساحة تتجاور فيها الرؤى وتختبر الأفكار حضورها أمام الناس. كتاب يناقش تاريخاً نظن أننا نعرفه، ورواية تمنح صوتاً لمن غاب عن السرد، ودراسة تعيد طرح سؤال قديم بلغة جديدة؛ كلها شواهد على أن الثقافة ليست مخزوناً ثابتاً، وإنما حوار يتجدد كلما تجرأ أحد على السؤال.

وتبقى اللقاءات مع المؤلفين والحوارات حول الكتب فرصة لاختبار هذه الحيوية؛ فالسؤال الجيد الذي يخرج به زائر المعرض قد يكون أثمن من حقيبة امتلأت بعناوين لن تُقرأ.

وللإصدارات الجديدة مكانتها حين تضيف إلى المكتبة ما يستحق القراءة، لا حين تكتفي بإضافة عنوان إلى قائمة. فالكتابة مسؤولية قبل أن تكون حضوراً على منصة، والنشر اختيار ثقافي قبل أن يكون صناعة، والقراءة مشاركة واعية لا استهلاكاً عابراً. وبين هذه الأدوار تنشأ البيئة التي تستطيع أن تمنح الإبداع حياة أطول من لحظة صدوره.

وفي الإمارات، تكتسب معارض الكتب دلالة تتصل بمشروع أوسع يجعل المعرفة جزءاً من بناء الإنسان، ويمنح اللغة العربية مساحة للتجدد والانفتاح على لغات العالم. لكن نجاح أي معرض لا يقاس بما يحدث خلال أيامه وحدها؛ الأهم ما يبقى بعدها من نقاشات واهتمامات ومبادرات، وما يتحول من حماس مؤقت إلى عادة قراءة وممارسة كتابة ومسؤولية تجاه المعرفة.

وفي زمن تتزاحم فيه الرسائل السريعة، يذكّرنا الكتاب بقيمة التمهل. لا يطلب منا أن نتلقى الإجابات جاهزة، بل أن نراجع أحكامنا ونصغي إلى ما يختلف عنا. لذلك لا تكون الحكاية ترفاً، وإنما وسيلة لفهم الذات والآخر، ولحماية التجربة الإنسانية من النسيان والتبسيط.

من يصنع الحكايات إذن؟ يصنعها من يعيش التجربة، ومن يكتبها، ومن ينشرها، ومن يقرأها بعقل مفتوح. والأهم أن نصنع مجتمعاً لا يسأل فقط عن عدد الكتب التي أصدرها، بل عن الأفكار التي غيرتها تلك الكتب في حياته.