في ستينيات القرن العشرين، كانت الرحلة بين أبوظبي ودبي مختلفة تماماً عما نعرفه اليوم. فلم تكن هناك طرق سريعة معبّدة، ولا جسور حديثة، ولا وسائل نقل مريحة تختصر المسافات، بل كانت الرحلة تعتمد على مسارات صحراوية محدودة تشق طريقها بين الرمال ومناطق السبخة.
ومن أشهر تلك المسارات طريق عُرف محلياً باسم «الصراط»، وهو اسم ارتبط بطبيعة ذلك الطريق الضيق الذي كان يتطلب من السائق أن يلتزم بمساره بدقة وحذر شديدين. كان «الصراط» يمر عبر أراضٍ سبخية رخوة ومشبعة بالمياه والأملاح، ولذلك لم يكن الخروج عن المسار أمراً هيناً.
فقد يؤدي انحراف المركبة قليلاً إلى غوص عجلاتها في الأرض الموحلة وتعثرها. ولهذا كان السفر بين أبوظبي ودبي يحتاج إلى خبرة السائقين ومعرفتهم الدقيقة بطبيعة الأرض.
ولم يكن «الصراط» مجرد طريق يصل بين مدينتين، بل كان جزءاً من ذاكرة الناس وشاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ المكان. فالرحلات التي تبدو اليوم سهلة وسريعة كانت تتطلب آنذاك صبراً وحذراً واستعداداً لمواجهة ظروف الطريق وتقلبات الطبيعة.
وكانت معرفة المسالك جزءاً من خبرة السفر نفسها، يتناقلها السائقون والمسافرون في زمن سبقت فيه مشروعات البنية التحتية الكبرى التي غيّرت وجه المنطقة.
ومع مرور العقود، تبدلت الصورة. فقد شهدت دولة الإمارات نهضة واسعة في الطرق والجسور والمطارات ووسائل النقل، وأصبحت المسافات بين مدنها أكثر سهولة وانسيابية.
واليوم تأتي قطارات الاتحاد لتضيف فصلاً جديداً إلى تاريخ التواصل بين أبوظبي ودبي، ضمن شبكة حديثة تعكس حجم التحول الذي شهدته الدولة في مجال البنية التحتية والنقل.
وبين «الصراط» القديم وخط سكة الحديد الحديث تبدو المقارنة أشبه بصورة تختصر رحلة زمنية طويلة. فهناك كان المسافر يراقب الطريق بحذر حتى لا تنحرف مركبته إلى السبخة، وهنا يتحرك القطار على مساره الحديث في مشهد يعكس الدقة والتنظيم والتقدم.
وبين المشهدين تاريخ من العمل والتطور، انتقلت خلاله البلاد من الاعتماد على المسارات التي فرضتها طبيعة الصحراء إلى إنشاء منظومة مواصلات تربط المدن والمناطق وفق أحدث معايير النقل.
ففي الماضي كان المسافر يتكيف مع طبيعة الأرض ويبحث عن المسار الآمن، أما اليوم فقد أصبحت البنية التحتية الحديثة وسيلة لتجاوز تلك الصعوبات وتقريب المدن وتسهيل حركة الناس نفسها.
وهكذا، لا تمثل قطارات الاتحاد مجرد وسيلة نقل جديدة، بل يمكن النظر إليها بوصفها امتداداً حديثاً لقصة قديمة عنوانها التواصل بين المدن. تغير الطريق، وتبدلت وسيلة السفر، واختلف إيقاع الرحلة، لكن المسافة بين أبوظبي ودبي بقيت شاهداً على تحولات المكان.