من الفكرة إلى الأثر

لا تُقاس حيوية المشهد الثقافي بعدد الكتب التي تصدر فحسب، بل بقدرته على توفير بيئة تؤمن بالمبدع، وتمنح فكرته فرصة لأن تتحول إلى منجز، ثم تفتح أمام هذا المنجز الطريق إلى القارئ.

وفي دولة الإمارات تتكامل المنح الثقافية ومعارض الكتب والجوائز لتشكّل منظومة تحتضن الإبداع، وتدفع بالإنتاج الأدبي الإماراتي إلى مساحات أرحب من الحضور والتأثير.

ويأتي «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع» التابع لوزارة الثقافة نموذجاً مهماً لهذا الاهتمام.

ومن تجربتي الشخصية حصلت على منحة ضمن البرنامج عن كتابي «كحل إثمد»، وكانت بالنسبة إليّ أبعد من مجرد دعم لإصدار كتاب؛ فقد حملت معنى التقدير للفكرة والثقة بالمشروع والجهد المبذول فيه.

فالمنحة حين تُمنح للكاتب صاحب التجربة والمشروع الجاد، هي تقدير لما راكمه من معرفة، وفي الوقت نفسه استثمار فيما يستطيع أن يضيفه مستقبلاً إلى المكتبة الإماراتية.

والأهم أن أثر هذه المنح يمكن أن نراه في الإنتاجات الثقافية التي خرجت إلى النور واستطاعت أن تثبت نفسها.

فالمنحة الحقيقية لا تتوقف قيمتها عند لحظة الحصول عليها، وإنما تظهر ثمارها عندما يتحول الدعم إلى كتاب جيد، أو مشروع ثقافي مؤثر، يجد طريقه إلى الناس ويصبح جزءاً من الحراك الثقافي في المجتمع.

لكن رحلة الكتاب لا تنتهي عند الطباعة والنشر؛ فالكتاب يحتاج إلى فضاء يلتقي فيه بقارئه. وهنا تبرز أهمية معارض الكتب ومنها معرض أبوظبي الكتاب، الذي يمثل موعداً ثقافياً نرى فيه حصاد عام من الكتابة والنشر والإبداع.

وبين أروقته تتجاور التجارب والأجيال والأفكار، وتظهر إصدارات إماراتية متميزة إلى جانب آلاف العناوين العربية والعالمية. وهذا الحضور يمنح الكاتب فرصة لأن يرى كتابه وقد غادر مساحته الخاصة ليصبح بين أيدي القراء.

وتكتمل هذه الرحلة حين يجد العمل صداه ويحظى بالتقدير. وقد كان لفوز كتابي «كحل إثمد» بجائزة أفضل كتاب إماراتي لعام 2026 ضمن جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية معنى خاص بالنسبة إليّ؛ فهو تقدير للفكرة والإنتاج الأدبي الإماراتي.

المنحة لا تصنع المبدع، لكنها تمنحه المساحة التي يستحقها، والمعرض لا يصنع قيمة الكتاب، لكنه يفتح له الطريق إلى قارئه، والجائزة لا تمنحه قيمته، بل تعترف بقيمة استطاع أن يثبتها.

وحين تتكامل هذه المسارات، فإننا لا نحتفي بكتاب جديد فحسب، بل نبني مشهداً ثقافياً إماراتياً تتراكم فيه التجارب، وتُحفظ فيه الذاكرة، ويجد فيه المبدع مكانه، ويظل الكتاب شاهداً على مجتمع يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، بل أثر يبقى.