للكتب مكان غريب وجميل في ذاكرتنا؛ فهي لا تعيد إلينا الحكايات التي قرأناها فحسب، بل تعيد إلينا أعمارنا أيضاً. نرى كتاباً قديماً، فنستحضر بيت الطفولة، ورفوف المكتبة، وحكايات المساء، وتلك الدهشة الأولى حين اكتشفنا أن بين غلافين صغيرين يمكن أن يختبئ عالم كامل.
من هنا يأتي شعار معرض أبوظبي الدولي للكتاب «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم» محمّلاً بمعنى يتجاوز فعل القراءة نفسه. أن نقلب الصفحة يعني أن نمنح أنفسنا فرصة لاكتشاف ما لا نعرفه، وأن نقرأ العالم يعني أن نقترب من ثقافاته وأفكاره وحكايات ناسه، وأن نرى الحياة بعيون تتجاوز حدود المكان.
كانت علاقتنا الأولى بالكتاب أكثر بساطة. في طفولتنا لم نكن نبحث عن المعرفة بمفهومها الكبير، بل عن الحكاية. كنا نريد أن نعرف ماذا سيحدث بعد قليل، وإلى أين سيذهب البطل، وكيف ستنتهي المغامرة.
كنا نقلب الصفحات بشغف، ونعيش مع شخصياتها، ونحزن ونفرح معها، من دون أن ندرك أن تلك القصص الصغيرة كانت تشكّل شيئاً من وعينا وخيالنا. كبرنا، وتغيرت الكتب التي نقرأها، لكن الطفل القارئ بقي في داخلنا.
فما زالت رائحة الورق تعيد بعضنا إلى مكتبة المدرسة، وما زال العثور على كتاب قديم يحمل أسماءنا بخط طفولي قادراً على فتح أبواب من الذكريات ظننا أنها أغلقت منذ زمن.
ولعل أجمل ما في معرض الكتاب أنه يجمع الماضي والمستقبل في مكان واحد. فبين أروقته نرى طفلاً يمسك كتابه الجديد بفرح، وأماً تقرأ قصة لصغيرها، وأباً يترك لأطفاله حرية الاختيار بين الرفوف. إنها مشاهد تبدو عابرة، لكنها قد تتحول بعد سنوات إلى ذاكرة لا تُنسى.
فالطفل الذي نزور معه معرض الكتاب اليوم قد يعود إليه غداً مع أطفاله، ويحكي لهم عن كتابه الأول، وعن قصة أحبها، وعن عالم اكتشفه للمرة الأولى من خلال القراءة.
وهكذا تنتقل علاقتنا بالكتاب من جيل إلى آخر، لا باعتباره مصدراً للمعرفة وحدها، بل جزءاً من الذاكرة العائلية والإنسانية.
في زمن الشاشات السريعة، يمنحنا الكتاب شيئاً نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى: لحظة هادئة نتأمل فيها ونصغي إلى صوت مختلف، ونسمح للخيال بأن يأخذنا بعيداً. فلنقلب الصفحة، ونقرأ العالم بفضول الطفل الذي كنّاه ووعي الإنسان الذي أصبحناه؛ لأن كل كتاب نضعه اليوم بين يدي طفل قد يصبح غداً ذكرى، وفكرة، وربما بداية حكاية عمر.