من يحفظ ذاكرة الوطن؟

قد تبدو الإجابة الأولى عن سؤال من يحفظ ذاكرة الوطن؟ واضحة: المؤسسات الحكومية. فهي التي تجمع الوثائق، وتحفظ الأرشيف، وترمم المخطوطات، وتؤسس المكتبات، وتبني قواعد البيانات الرقمية. غير أن هذا الجواب، على أهميته، لا يروي القصة كاملة. فالذاكرة الوطنية أكبر من أي مؤسسة، وأوسع من أي أرشيف، لأنها الوعاء الذي يحفظ هوية الوطن بكل تفاصيلها الرسمية والمجتمعية والإنسانية.

لقد أولت دولة الإمارات حماية الذاكرة الوطنية اهتماماً كبيراً، إدراكاً منها بأن الأمم التي تحفظ تاريخها تمتلك قدرة أكبر على صناعة مستقبلها. ولهذا استثمرت في بناء مؤسسات متخصصة لحفظ الوثائق، ورقمنة الأرشيف، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة المعرفة، بما يضمن صون الوثائق التاريخية وإتاحتها للأجيال المقبلة. ولا شك أن هذه الجهود وضعت الإمارات في موقع متقدم إقليمياً في مجال الأرشفة الرقمية وإدارة الوثائق.

ومع ذلك، فإن الذاكرة الوطنية لا تُختزل في الوثائق الرسمية وحدها. فهناك تاريخ آخر يعيش بين الناس، في الصور القديمة، والرسائل الشخصية، والمذكرات، والروايات الشفهية، وتفاصيل الحياة اليومية التي لا تجد طريقها دائماً إلى الأرشيف. هذه الشواهد، على بساطتها، تشكل أجزاء من الرواية الوطنية، وقد تكون في المستقبل مصدراً مهماً لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها الوطن.

إن أخطر ما يواجه الذاكرة الوطنية ليس نقص التقنيات، بل ضياع المعلومات قبل توثيقها. فكل يوم يرحل أشخاص يحملون في ذاكرتهم أحداثاً وتجارب لم تُسجل، وتتلف وثائق وصور محفوظة في المنازل، ويختفي محتوى رقمي أنشئ قبل سنوات قليلة دون أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من التاريخ. وهنا يبرز تحدٍ جديد يفرض على المؤسسات أن توسع مفهوم الأرشفة، ليشمل الذاكرة المجتمعية إلى جانب الذاكرة الرسمية.

وفي هذا السياق، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية، لكنه ليس الحل الكامل. فهو قادر على قراءة ملايين الوثائق، وتحليل البيانات، وتحسين جودة الصور القديمة، وربط المعلومات المتفرقة، وتسريع الوصول إلى المحتوى التاريخي. إلا أن التقنية، مهما بلغت من التطور، لا تستطيع استعادة وثيقة لم تُحفظ، أو رواية لم تُسجل، أو صورة اختفت قبل أن تصل إلى أي أرشيف.

ومن هنا، فإن مسؤولية حفظ ذاكرة الوطن لا تقع على عاتق المؤسسات الحكومية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. فالمؤسسات تؤسس المنظومة، والجامعات توثق وتبحث، ووسائل الإعلام تحفظ ذاكرة الأحداث، بينما يسهم أفراد المجتمع بما يمتلكونه من وثائق وصور وروايات تمثل جزءاً من السجل الوطني. وكلما اتسعت هذه الشراكة، أصبحت صورة الوطن أكثر اكتمالاً ودقة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً: هل ننتظر حتى يضيع جزء من تاريخنا ثم نبحث عنه، أم نبادر إلى توثيقه وهو لا يزال حاضراً بيننا؟