في زمن الحروب.. لماذا نحتاج إلى حوار الحضارات؟

في الوقت الذي تشهد فيه منطقتنا تحديات أمنية متسارعة وتوترات متصاعدة، وتتأثر دولنا بتداعيات الصراعات الإقليمية وما تفرضه من تحديات على أمن المجتمعات واستقرارها، تبرز قيمة المبادرات الفكرية والإنسانية التي تدعو إلى التسامح والتعايش وحوار الحضارات.

فالأزمات الكبرى لا تختبر قدرات الدول الأمنية والعسكرية فحسب، بل تختبر أيضاً قوة القيم التي تستند إليها المجتمعات في مواجهة الخوف والانقسام وعدم اليقين.

ومن هنا تكتسب استضافة أبوظبي للمؤتمر الدولي لحوار الحضارات والتسامح أهمية استثنائية، إذ يأتي في لحظة يحتاج فيها العالم إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى.

فالحضارات لم تُبنَ عبر الصراعات، وإنما عبر التفاعل والتبادل المعرفي والاحترام المتبادل بين الشعوب. والتاريخ الإنساني يؤكد أن فترات الازدهار كانت دائماً مرتبطة بالحوار والانفتاح والتعاون، لا بالعزلة والصدام.

إن الدعوة إلى التسامح في أوقات الاستقرار أمر مهم، لكنها تصبح أكثر أهمية في أوقات الأزمات. فالتسامح لا يعني تجاهل التحديات أو التنازل عن الحقوق، بل يعني التمسك بالقيم الإنسانية التي تحافظ على تماسك المجتمعات وتمنع انتشار الكراهية والتطرف. وفي ظل الأزمات الراهنة، يصبح التعايش خياراً استراتيجياً يضمن استقرار المجتمعات ويحمي مستقبل الأجيال القادمة.

ولعل ما يمنح هذه الرسالة بعداً أعمق هو تزامنها مع «عام الأسرة». فالأسرة هي الحاضنة الأولى للقيم، ومنها يتعلم الأبناء معنى الحوار والاحترام وقبول الآخر.

وفي أوقات التوتر والقلق، تزداد أهمية الأسرة باعتبارها مصدر الأمان النفسي والاجتماعي، والبيئة التي تغرس في الأجيال قيم التسامح والانتماء والمسؤولية، ولذلك فإن الاستثمار في الأسرة هو استثمار مباشر في بناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر تمسكاً بقيمها الإنسانية.

كما أن عالم اليوم، الذي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية المتسارعة، يحتاج إلى تعزيز البعد الأخلاقي في استخدام التكنولوجيا، فالتقنيات الحديثة قادرة على تقريب المسافات بين الشعوب وتعزيز الحوار الثقافي ونشر المعرفة، لكنها تحتاج إلى منظومة قيمية تضمن توظيفها لخدمة الإنسان وترسيخ ثقافة التفاهم والتعايش.

لقد قدمت الإمارات نموذجاً عالمياً في جعل التسامح أسلوب حياة والتعايش واقعاً يومياً يجمع مئات الجنسيات والثقافات على أرض واحدة. ومن هذا النموذج تنطلق رسالة واضحة مفادها أن بناء السلام يبدأ من الإنسان، ومن الأسرة، ومن الحوار. وفي زمن الحروب والنزاعات، يبقى حوار الحضارات الطريق الأمثل نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.