حوائط البيوت تحوي ما لا حصر له من أسرار، لا كاشف لها إلا من رغب في نشرها بكبسة زر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتصل إلى أكبر عدد ممكن من مرتادي هذه المواقع.
هوس البعض بنشر تفاصيل حياته بشكل مبالغ فيه أصبح ظاهرة اجتماعية خطيرة بين الشباب والمراهقين، لما لها من تأثيرات في مستخدميها، فطريقة الاستخدام هي التي تحدد تأثيرها فينا وفي المحيطين بنا.
تنشر إحداهن رسالتها عبر موقع الأنستغرام: »كعادتي سأخرج اليوم مع عائلتي إلى أحد مراكز التسوق حتى أستعد للحفلة المزمع عقدها في نهاية الأسبوع المقبل، بمناسبة خطبة أختي الصغرى«. تفاصيل حياتنا كهذه أصبحت سلعة رخيصة متوافرة للآخرين في أي وقت، فلقد صارت حياة البعض شباكاً مفتوحاً على مصراعيه تحت مسمى »أنستغرام، سناب شات، واتس آب«، وغيرها من المواقع الاجتماعية. هل أنهت وسائل التواصل الاجتماعي زمن الخصوصية؟ وهل أصبحت تفاصيل حياتنا كتاباً مفتوحاً للجميع؟
في خضم الانشغال بالأمور الحياتية يحاول الكثيرون تخصيص الوقت الكافي مع بعض المعارف والأصدقاء لإحياء العلاقة بعد طول غياب، حتى يدون في ذاكرة الأحباب شيئاً يذكر، ولكن يحدث ما ليس في الحسبان، فهذا اللقاء بالتحديد أشبه بتصوير مشهد تلفزيوني يترقبه آلاف المتابعين والمعجبين، فالتصوير ونقل الحدث يأخذ النصيب الأكبر في صفحة الحياة خلال أي تجمع، فلا يلقي للمدعوين بالاً.
وتجد أحدهم يشيح بوجهه عن المتحدث ومن غير سابق إنذار يرد على رسائل وصلته على منصة التويتر بغض النظر عن مدى أهميتها، وبذلك يُحكم على لقاء الأحبة بالإعدام. للأسف الشديد ما عاد للحب أو أسراره معنى بين الأصدقاء أو الأحبة أياً كانت مكانتهم، فوسائل التواصل الاجتماعي اخترقت حياتنا الشخصية لتصبح ملكاً للجميع وبالمجان.
ومن الأمور المزعجة، تسرب وتداول المقاطع والصور لكثير من الأسر في انتهاك للخصوصية وفتح باب للتشهير حتى تكون مادة للتسلية والفكاهة، أمر غير لائق ومناف لقيم أي مجتمع. البعض أصبح يتعمد بقصد أو بغير قصد نشر صور أو مقاطع فيديو من غير علم أصحابها، ما يتسبب في خدش مشاعرهم وتعرضهم للإحراج.
وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، فعلى الرغم من أنها ساهمت في توطيد العلاقات بين الأفراد وخلق جيل مبدع قائم على سياسة التواصل الإلكتروني، إلا أنها شغلت الولد عن أسرته، وفككت بعض الأسر، وربما هدمتها بسبب وقوع أحد الزوجين وربما كلاهما في علاقات غير سوية، وما أكثر الأمثلة التي تصدم مسامعنا اليوم.
دعونا نتواصل باهتمام وحرص كما كنا نفعل في يوم من الأيام، فلا شك أن التكنولوجيا والإبحار في مواقع التواصل الاجتماعي أصبح ضرورة في تسهيل حياتنا اليومية، ولكن لتكن بعقلانية حتى تصبح الحضارة فيها الذراع التي تمتد لتحمي، والعقل الذي يفكّر ليصون.