أنت يا راشد

ت + ت - الحجم الطبيعي

وهل هناك أعظم فاجعة من الفقد، وهل هناك أقسى من الرحيل الأبدي، فكيف إن كان الفقد رمزاً وهامة وسيرة عطرة، كان أيضاً صورة جلية في بياضها، ومحياه نقياً، وجهاً خيّراً في طلته، اسماً زكياً في سماء مدينته، راية خفاقة في قلوب محبيه وأهله وأصحابه، ما أعظم هذا المصاب، إنه جلل وخطبنا كبير، رحل عنّا بلا سابق وداع، رحل ذاك الشاب الغالي، رحل وترك خلفه أعيناً تبكيه، وقلوباً تنوح عليه، رحلت يا راشد بن محمد، ولم تمهلنا حتى القليل من الوقت لنتهيأ لفراقك، ونتخيل بيوتنا بلا صورتك، وتتأقلم المدينة بلا عبورك.

البراري وجفافها، والبحار وقيعانها، والمزون وماؤها، جميعها لم تقبل وداعك، وكلنا نتشارك في نفس المشاعر الجريحة والمكلومة، أنت لست كأي فقيد، ولست كأي راحل، ولست كأي اسم عابر، أنت أنت، والناس تدرك من أنت.

أنت من سميّت على عظيم دبي الراحل، راشد بن سعيد، أنت وريث المجد والعزة، أنت من قومه الذين كتبوا التاريخ باسمهم السامي، أنت من نسله شهم أصيل، وأجداده عرب كرماء، أنت من بك ازدانت دبي بقدومه، أنت من بك فرحت جميع النساء بولادته، أنت من يعتز بك الرجال وتتحزم بأفعاله، أنت من تضج المجالس بذكره الطيب وفضائله الكثيرة.

أنت لست اسماً فقط، بل أنت عناوين الصمود والرفعة، أنت الرفيع العميد في خصاله، أنت الفاضل والوجيه في مساعيه ومآثره، أنت الكريم في عطائه، أنت النبيل في عواطفه، أنت الكريم الراحل النازح من الدنيا الواسعة، وأنت يا راشد من خلفت الألم في قلوبنا جميعاً، لأننا عائلة واحدة، تنتمي إلى بيت مكتوم، وتتلمذت على يد قاماته الرفيعة، وكبرت لترد وافر الجميل والامتنان لهذا البيت الشامخ.

عزاؤنا أنك فارقت الحياة ولا تحمل الضغينة لأحد، وعزاؤنا أنك راسخ وباق ومتأصل في قلوبنا وفكرنا وسير حياتنا، وحدادنا عليك ليس أياماً معدودة، وتنكسينا للأعلام ليس لأيام محسوبة، بل طول الدهر، ما دامت لدبي قلوب تنبض، وأرواح غنية باحتواء أحبابها وأصحابها.

اكتفي هنا بقول، رحمك الله، وألهمنا في فقدك عظيم الصبر والسلوان.

طباعة Email