عاقل ومئة مجنون

أن ننتبه الآن إلى كارثية التحشيد الطائفي بين مجتمعات المنطقة، لن يكون إنجازاً ذا قيمة، وليس في ذلك تشاؤم، بقدر ما فيه من نظرة واقعية إلى نبت سيئ ساهم الجميع في زراعته ليتفلت من جذوره على نحو لا يستطيع أحد أن يقدّر إلى أي مدى ستصل فروعه، ولا أن يمسك بفأس تطالها.

مجنون ألقى حجراً في البئر، ولا يستطيع مئة عاقل إخراجه.. هذه آلية المثل الشعبي التي تشتغل الآن، لتضع أمام الألباب سؤالاً كبيراً حول من ترك المجنون يسرح ويمرح أمام بئر هُجرت دون حلول لتاريخ طويل. أي حلول الآن لما تكرس بين المجتمعات من كراهية وطائفية، سيكون مثل مكافحة نار شبت عن الطوق لتشتعل بالأخضر واليابس. يزيد ذلك صعوبة ما تعيشه المجتمعات من قيم هشة، ونفوس وأفكار تشبه العشب اليابس سريع الاحتراق، بما صنعه التاريخ الطويل من الكراهية النظرية والكلامية، ودفن المشكلات مع الآخر دون حلول، لتكبر وتترعرع في الباطن دون رقيب، وتغيب أصوات النقد والحقيقة.

المجتمعات تعيش الآن ما ترى أنه نعمة كبرى بما فتحته ثورة الإنترنت من أبواب لصوتها، ليصدح بما تريد دون احتكار لأي سلطة لوسائل الاتصال والتواصل، ولكنها لم تجنِ من هذه الثورة سوى نقمة كارثية بحق، عندما منحت هذه الوسائل الأداة المطواع لفوضى الناعقين بالكراهية والطائفية.

أفواه الحق المكممة، لم تفلح ثورات الربيع، سوى بمزيد من التكميم لها، وثورات التواصل تآزرت معها لتمنح انفلاتاً لأفواه الباطل، وما يظن كثيرون أنه ماء يطفئون به الحرائق ما هو إلا كاز يصبونه على النار.

أننا انتبهنا الآن إلى كارثية ما يحدث، لم يفعل سوى أنه زاد في تشبث كل طرف بموقعه، وإصراره على رأيه، وعلى أنه الحق الذي لا يداخله أي باطل، وأن الآخر هو الذي لن يجانب أي قدر من الصواب مهما فعل. وإن كانت هذه المعادلة هي أساس المشكلة وسببها ومشعل الحريق منذ البداية، فأي نتيجة تُنتظر بعد هذا الإصرار؟! وأي فعل يستطيعه عاقل واحد أمام مئة مجنون يلقون الحجارة في البئر؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات