سياسات مرتبكة

ما يجهد أن يروج له صانع الدعاية الأميركية، أن السياسة الأميركية مصابة بحالة من الارتباك الشديد، تجاه الفوضى التي أصبحت تعم المنطقة، وأن ما يصدر عن الإدارة الأميركية من تخبط في القرارات، هو السبب وراء هذه الفوضى وإطالة أمدها لتسير بالمنطقة إلى المجهول.

في ذلك تغطية على أن الأمر برمته هو صنيعة أميركية مدروسة، وهي تغطية وإن نجحت في وقتها، إلا أنها تكشفت الآن وقد فات الأوان.

على أن الأهم، وهو الناجع تماماً إلى الآن، التعمية على حقيقة أن الآخر هو المصاب بارتباك في السياسات والقرارات، سواء في ذلك صانعو القرار من المؤثرين الإقليميين في المنطقة، والطامحون إلى التغيير وقادة الرأي والمنظرون ومكونات المجتمعات بأسرها.

المؤشر الأول، وهو في الوقت ذاته السبب الرئيس، لحالة الارتباك هذه، التعويل الغريب والدائم على التدخل الأميركي لإيجاد الحلول لمشكلات المنطقة، والانتظار السلبي لهذه الحلول الخارجية، واستجداء قرارات واضحة من الإدارة الأميركية، والشكوى المضحكة من ارتباك سياساتها.

أما المؤشر الثاني، وهو في الوقت ذاته النتيجة الأكبر أثراً، فهو تصاعد الأزمات وتمددها، بدل محاصرتها وإيجاد حلول موفقة لها. في العراق وسوريا وليبيا واليمن، جبهات مفتوحة على المجهول تحاصر المنطقة بأسرها، وهي جبهات تتفاقم وتتصاعد فيها الأزمات، وما بدا أول الأمر على أنه حلول لهذه الأزمات، أظهرت المخرجات نتائج كارثية جديدة بسبب أخطاء في القرارات السياسية، ففرخت أزمات جديدة، وصعبت أي حلول سليمة كان ممكن أن تخرج المنطقة من هذا النفق المظلم.

والأمر الأكثر كارثية بعد هذا كله، أن نصل في النهاية إلى قرارات يفرضها التعب، بتنازلات للخلاص من هذا الاختناق الذي لا يستيطع أن ينكره أي طرف في المنطقة، حتى لو كان ضمن هذه التنازلات تقسيمات جديدة للجغرافيا، وما يتبعها من فرز اجتماعي وثقافي واقتصادي، يحيل إلى كيانات تحكمها نزاعات جديدة. الحل الحقيقي يحتاج وقفة تشخيص صادقة، وعاجلة، وقرارات ذاتية مدروسة وشجاعة، غير مرتبكة ولا تنتظر تدخلات ومساندات من الخارج، والاستقرار الدائم يتطلب حلولاً شاملة، وليس حلولاً مرحلية تستبدل الأخطاء بأخطاء أكبر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات