حرب على أنفسنا

أصبح من ترف الحديث، أن تطالب السياسة والمشتغلين بها ببعض الأخلاق، برغم أن السياسة في أبسط ما تعنيه، فن إدارة الناس من أجل صالحهم، وذلك بالتأكيد ما جعل الدول الكبرى التي تقود المجتمع الدولي هي ذاتها مسببة الكوارث للانسان الآن وإلى مدى لا نعرف كم سيطول.

على أن الأمر لم يتوقف عند الفصل التام بين السياسة والقيم التي تعنى بخير الانسانية، بل اندفعت تلك الدول تتنافس في إصباغ الأخلاق على أفعالها غير الأخلاقية في عمل مؤسس يعمل يومياً، ثقافياً واجتماعياً ونفسياً، من خلال آلة إعلامية ضخمة ومراكز بحثية وعلمية على قلب القيم وتحوير الأخلاق وتشويه المعاني.

في النزاعات داخل المنطقة والتي لا يفتأ بصيص أمل يظهر نحو قرب نهايتها، لتعود فتتجدد وتتصاعد، أصبح من قبيل السخرية الحديث عن الأخلاق سواء عند أطراف النزاع، أو لدى المجتمع الدولي الذي يقف متفرجاً.

والواقع أن كل الفاعلين في المجتمع الدولي لا يقفون متفرجين، وإنما هم فاعلون حقاً في هذ النزاعات، في دعم هذا الطرف أو ذاك، ويصبغون كل المبررات الأخلاقية على مواقفهم، وبعيداً عن المبررات الخادعة، فان هؤلاء هم من يعملون بجد واجتهاد على إطالة أمد النزاعات، دون أي مبالاة بما يحدث من سفك للدم ومآس انسانية كبرى، ليتوفر لهم الوقت الكافي، ليس لتزييف القيم الأخلاقية فقط، بل جميع الحقائق والمعاني، وتسييد نظام جديد من الأفكار.

الحروب النفسية التي تواكب هذه النزاعات، لم تعد عناصرها قصراً على آلة إعلام الدول الكبرى ودول الاقليم وأطراف النزاع من أنظمة القمع والجماعات المعارضة والتنظيمات الارهابية، وأصبحت حديثاً يومياً يتناقله المستوى الشعبي في كل مكان ويضيف إليها ما يجعل مخرجاتها أكثر سوءاً ويكرسها على المدى الطويل، في حرب صريحة على أنفسنا.

ما يصنعه كل ذلك في النهاية، وحتى بعد أن يتوقف أي نزاع، هو تكريس هويات تحكمها العداوات التاريخية وتتحكم فيها الصراعات المتواصلة التي يغذيها باستمرار أي قيم تدفع نحو خير حقيقي للانسان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات