معادلة سوريا الجديدة

تبشر التطورات الأخيرة في سوريا لمصلحة المعارضة بقرب نهاية كارثة استمرت أربع سنوات. وصبر المعارضة طوال هذه الفترة الطويلة تأكيد لمدى إرادتها، ولكن ما يُنتظر أن يتحقق خلال فترة أشهر وجيزة مقبلة قصرت عن تحقيقه أربع سنوات، ليس مرده بالتأكيد لإرادة المعارضة القوية وحدها، وإنما لإرادات القوى الداعمة لها التي فرقتها اختلاف السياسات فيما مضى، وانعكست فرقة في الداخل بين الثوار.

النظام السوري الذي تسبب في كل هذه الكارثة المؤلمة، وظهر الآن مدى ضعفه هو وحلفائه، ولاحت بشائر سقوطه القريب، لن يكون سقوطه هو نهاية كل المشكلة، فمآل الأوضاع في سوريا بعد خروج النظام من المعادلة سيظل رهناً لمدى تقارب تطلعات الداخل وتوافقات سياسات الخارج الإقليمي والدولي.

الوضع المستقر لسوريا ما بعد الأسد يتطلب توافقات استراتيجية طويلة المدى بين المؤثرين الإقليميين في الدرجة الأولى. على أن التفاهمات في هذا المستوى قد تكون ركائزها مؤقتة، فالمد الإيراني الذي فرض تعسكراً في مواجهته، يسير الآن في الطريق المعاكس على جميع الجبهات، وكذلك تنظيم «داعش» الذي فقد كثيراً من قوته. فهل ستستمر التوافقات، بعد انتهاء أسبابها هذه، نحو بناء استقرار حقيقي؟ أم أن المسألة ستأخذ شكلاً جديداً من الخلافات التي سيرفعها إلى الواجهة تباعد المصالح في مرحلة تالية؟

الهزائم السريعة للتمدد الإيراني والصعود الداعشي هي تأكيد أن وجودهما في المعادلة لم يكن سبباً رئيساً في طول فترة الأزمة، ومن ثم فإن غيابهما وغياب النظام السوري، وإن كانا أولوية مطلوبة بشدة الآن، لا يعني أن الأمور وصلت إلى مطافها الأخير.

على المحيط المؤثر، كما على الداخل الذي أحرقت أصابعه نار كل أنواع الحطب، أن يصلا إلى قناعة ثابتة بضرورة التعايش مع توافق يأخذ بالاعتبار مصالح الجميع، بعيداً عن أي مغامرات إقليمية لفرض رؤى أحادية قد تحرق صاحب هذه الرؤية قبل المنطقة بكاملها.

وعلى المؤثرين الإقليميين أيضاً أن يأخذوا في الاعتبار تطلعات الشعوب التي يعتبر تحقيقها المثبت الأساس لأي استقرار، فالمسألة بدأت، إذا كنا لم ننس بعد، بغضبة شعب أحبطه تغييب تطلعاته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات