استقرار مستدام

الرغبة الكبيرة في الاستقرار، تأتي في إفراز حتمي لما عايشته الشعوب من ويلات النزاعات والفوضى التي وصمت المرحلة الأخيرة، ولكن الرغبة وحدها مهما كانت شديدة، ومهما كان محفزها وقف الدم والعودة إلى الحياة الطبيعية، غير كافية لتكون محركاً للمرحلة المقبلة.

تطلعات الشعوب إلى الاستقرار، هو الأمر الطبيعي والدائم، وهي التي أجلت كثيراً حدوث هذه النزاعات، وأبقت أسبابها نائمة تحت التراب لعقود، ولكن الآن وبعد أن حدث ما حدث، فإن الأمر لن يكون مقنعاً دون زوال الأسباب الحقيقية التي دفعت إلى كل ما حدث، فما تتطلع إليه الشعوب الآن بإدراك أكبر هو استقرار مستدام، تضمن من خلاله تحقيق تطلعاتها بمستقبل آمن وسليم دون العودة إلى ما حدث.

على أن استثمار هذه الرغبة المتزايدة، لا يجب أن يأتي بوهم استقرار هش، يقفز عن علاج حقيقي للأمراض والآفات التي كانت تنهش في المجتمعات ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن وهماً كهذا لن يصمد طويلاً هذه المرة خصوصاً بعد التجارب الدامية والمؤلمة التي عاشتها الشعوب في أكثر من بلد، وربما تكون الحال أكثر إيلاماً في المرات القادمة، يصبح معها حتى تحقيق الرغبة فقط وليس الاستقرار، ضرباً من المستحيل.

وفيما تظهره الأحداث الآن، أن الاستقطاب الطائفي، هو سيد الأسباب وراء ما يجري، على أن الحقيقة أكبر من ذلك بكثير، فغياب الحكومات الجامعة التي تحقق تطلعات شعوبها في تنمية حقيقية، ومشاركة سياسية، تلبي طموحات جميع مكونات المجتمع دون تفريق، كان هو السبب الأول الذي أفرز ما صارت إليه الأمور من نكبات.

التنمية والمشاركة والحرية، أسباب قوة للاستقرار، فرضتها المتغيرات الكبيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية سواء في حرية تدفق الاستثمارات أو تدفق المعلومات التي فتحت ثورة وسائل التواصل الحديثة لها الباب على مصراعيه، وهي المتغيرات التي لم تستطع تلك الحكومات تلبيته، ولا يظهر أن أياً من الحكومات التي جاءت بها الثورات أدركت مدى قوته وتتجه للتعامل معه بحكمة، ما وصل بالحال إلى الارتكاسات التي حدثت وستستمر دون الأخذ بالأسباب الحقيقية للاستقرار المستدام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات