قتل للتسلية

داعش وهو في طريقه إلى أن يصبح أسطورة، بالمعنى الكامل الذي وسمه الوهم الجماعي الخارق للعادة، لم يكن وليد قطيعة تاريخية في فضاء مبتسر، كما يراد من كثافة ظهوره المفاجئ في كل مكان يشتعل فيه نزاع، أن توحي.

أكبر منه خطأ الظن والتسرع في حشد كل ما ينسب إلى الدين والتاريخ الإسلامي، دفعاً بغير حق نحو نسبة أبوة الدين لهذا العنف. وهو الاستغلال الأقذر للدين وضد الدين لتزييف حقيقة هذا المولود المشوه. وكم من شاهد زور يبتذل أيمانه الآن!

خديعة يتآزر من خلالها المتقصدون والمضلَّلون، في التستر على الأب الحقيقي، وإفساح المجال أمام آفته لتنتشر وتتصاعد وتتكرس، خصوصاً بعد إسقاط جدران المقاومة أمامه. داعش كتصميم، يحمل خلاصة العقود الأخيرة من العنف والعنف المضاد، في مختلف أصقاع الأرض التي زرعتها سياسات الولايات المتحدة بنزاعات تعود لتشتعل كلما برق أمل بنهايتها، وحتى العنف المجتمعي اليومي المسكوت عنه وأكثره في الداخل الأميركي ذاته.

الخلاصة الداعشية في عنفها المذاع على مرأى ومسمع العالم، تماهي تماماً ألعاب الفيديو الإلكترونية، في شهوة قطع الرؤوس واصطياد الأجساد التي لا تحمل رسالة غير التسلية، هذا إن كان للقتل أصلاً رسالة، في حال فرقنا الدفاع عن الذات عن العدوان الخبيث.

القتل العبثي من أجل التسلية، الذي تناضل الصورة تلفزيونية أو فوتوغرافية من أجل تحسين قبحه وشرعنته والترويج له، هو خلاصة نظام قذر من الأفكار اشتغل لعقود للوصول إلى هذه النقطة، عبر عنف اللعبة الإلكترونية وفيلم العنف وإعلاء قوة الجسد الرياضي المنافس والمحطم للآخر، وهي ثقافة مدعومة بغياب القيم وتقديس الفردية.

عوض النبش في تراث دين ملأ المدن التي دخلها عدلاً وعلماً من أجل الإنسان، لتزييف الأسباب، على طالب الحقيقة أن يبحث في نظام الأفكار الأقرب السائد الآن.

 ومهما بلغت القدرة على التضليل لا يمكن لأحد أن يلقي غطاء على حقيقة عالم تتقاسمه اقتصادات تصنيع السلاح، واقتصادات التسلية القائمة على الترويح عن النفس بالعنف، ولا تخفى الترابطات بينها وما تسعى إليه من دعم إحداها الأخرى، كما لا يمكن لدولها أن تخفي وجوهها. غير أننا جميعاً نصفق لرفاهية العيش الذي تصنعه وقد يصبح من هذه الرفاهية، إذا أصابنا الملل أن نتسلى بقتل بعضنا بعضاً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات