الصورة سلاح تدمير شامل

تحسين القبيح، وتقبيح الحسن، لعبة الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، منذ القدم، لذلك رفضتها الديانات، وحرضت ضدها فلسفة العلم.

نصيرتها العاطفة القادرة على استمالة الهوى، وعدوها العقل الذي لا يرضى بالعدول عن المنهج القويم استرضاء للاستعارة الفارغة.

ما اختلف اليوم أن الصورة لم تعد شعرية، فهي صورة أيقونية وحركية «فوتوغرافية وسينمائية»، ولمن لم يتعرف إلى علوم اللسانيات والسيميولوجيا، فان الصورة في حالتها هذه تمتلك علاقة مشابهة مع الواقع الذي تنقله، لا تمتلكها الصورة الشعرية في شكلها اللغوي القائم على اعتباطية العلاقة بين اللفظ والواقع الدال عليه.

غير أن علاقة المشابهة التي تمتلكها الصورة فوتوغرافياً وسينمائياً، لم تلزمها المصداقية، بل منحتها مساحة ومقدرة أوسع على تزييف الواقع وتحريفه وقلبه.

أن يرى المتلقي بأم عينه، فهذا ما لا يمكنه تكذيبه، ولا حتى إعمال العقل الكسول أمام حاسة البصر المسيطرة، في ما تنتجه الفوتوغرافيا من معانٍ تتسرب إلى الذهن، عبر تكوين المشهد المتقصد بما يضمه وما يستثنيه من عناصر، وترتيبها، وعبر التقنيات والمؤثرات الاضافية.

سواء في الكاميرا أو بالتلاعب الكمبيوتري، وعبر تكنيكات الاعلام في النشر أو الاقصاء وفي المكان والمساحة والمقال والشرح المرافقين.

 أما الصورة السينمائية المتحركة والمصحوبة بالصوت، فهي أعلى تقنية وتأثيرا وتحايلاً، وبالتالي أكثر تخييلاً وتزييفاً للواقع، إنها تمتلك قوة السحر في رفع التوتر وشد الانتباه وتقمص الشخصيات والتعاطف معهم.

الصدمة، نفسياً، ذات أثر مقيم، ليس طارئاً ينتهي بتلاشي المشهد، فهي تطبع صورة في اللاوعي، تحدد على المدى البعيد الوعي والسلوك، حتى وإن توارى أثرها مؤقتاً.

جميع الصور التي تطالعنا بها الفضائيات المتسابقة الى بث جرائم الحروب، هي من النوع الأخير، وبرغم ادعاءاتها بأنها تنقل الحدث كما هو إلا أن الموضوعية لا تقترب من معظمها، فالصورة أيضاً لها انتماءات وولاءات واصطفافات لا تقل تعصباً عن صانعيها.

ولكنها جلها لم تكن بحجم الاحتراف في التأثير الذي صنعته جريمة فيلم حرق الكساسبة الوحشية.. لكن يبقى السؤال عن التنميط الذي تتركه جريمة الفيلم هذه، هل هو الرعب من وحشية داعش؟ أم الفوبيا الهستيرية من الاسلام؟

من كان داخل القفص ليس معاذ الكساسبة، بل الاسلام كله.. النار قد تحرق شخصاً، لكن الصورة تغتال فكرة عظيمة وأمة.. الصورة كانت جريمة حضارية عظمى، وسلاح تدمير شامل، نتساءل كيف أمكن لتنظيم مثل داعش امتلاكه؟.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات