بؤس العالم

التفاؤل قد يسهم في خلق واقع أفضل، لكنه وحده لا يستطيع إحداث أدنى تغيير في عالم على هذا السوء الذي نراه اليوم. ومن روح «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، يمكن لقليل الدراية أن يستشرف مستقبلاً أسوأ، لعالم يكرر سياساته، ويستمر على نظم أفكاره التي راكمت جبالاً من المشكلات المستعصية.

وقد تتصدر مشكلة واحدة، ذات مساس مباشر وواضح بالأمن العالمي، مثل انتشار الإرهاب، لتغطي على مشكلات أخرى كبرى وأكثر جوهرية، سواء اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، رغم الترابط الذي لا يقبل الانفصال بين أسبابها جميعاً. على أن ما تقوم به النظم التي تحكم العالم اليوم، هو أن تظهر لنا جهدها في خلع ثمرة فاسدة عن شجرة تعفنت من جذورها.

المحلل الجاد لا يحيد عن الصواب حين يعود بأسباب ما يحدث في أوروبا من عنف، إلى ما قبل منتصف القرن الماضي، الوقت التي احتاجت فيه دول أوروبية، مثل فرنسا، إلى مهاجرين للعمل في مصانعها، وعندما انتهت حاجتها منهم أبقتهم بسياساتها غير المسؤولة محاصرين في أحياء الفقر وفقدان الأمل، موصومين بنظرة عنصرية، يتبادلون من خلالها العداء مع مجتمعهم.

وهي ذات الأحياء التي استنسختها أوروبا، عن أحياء السود في أميركا التي لا يمكن أن تولد إلا كراهية وعنفاً يومياً متواصلاً، كما تؤكد على ذلك لقاءات صحافية مباشرة، أجراها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو وزملاؤه مع فئات تلك المجتمعات، سواء في فرنسا أو أميركا، ونشرت في كتابه بؤس العالم 1993.

 سياسات الغرب غير المسؤولة، في الخارج، كانت أكثر عبثاً، ولا يحتاج الأمر أكثر من استذكار للدعم غير المحدود الذي وقف به الغرب خلف المجاهدين ضد السوفييت في أفغانستان، عندما احتاج إلى ذلك، ثم شيطنتهم عندما انتهت الحاجة وتدمير أفغانستان ومستقبلها، وكذلك الدعم الكبير الذي حظي به العراق من الغرب في سياسة الاحتواء المزدوج مع إيران، والعودة إلى تدمير العراق. الإرهاب والعنف الحقيقي بذوره واضحة في نظم الأفكار والسياسات التي تحكم العالم، وتكرر أخطاءها لتزيد من بؤس العالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات