الثلج يزداد سواداً

أن نبقي أسماء اللاجئين في قيود الأحياء، أمر يقصّر كثيراً عن سقاية قلوبهم بالحياة الحقيقية لتنبض بالأمل. الشعب السوري الذي أصبح نصفه من النازحين في الداخل أو اللاجئين إلى دول الجوار الفقيرة، لا يجد حماساً من المجتمع الدولي إلا في درء الإحساس بالذنب عن الذات، وقت الكوارث التي تتآزر هي الأخرى ضدهم وتطاردهم في منافيهم التي أجبروا عليها هرباً من الموت إلى حياة هي أقسى من الموت.

في عاصفة العام الماضي «أليكسا» كتبت هنا في المكان ذاته بعنوان «ثلج أسود» عن قلوب الأطفال اللاجئين التي تجمد نبضها من البرد، والآن بعد عام كامل من النسيان، بل أربعة أعوام على بدء مأساة لا بشائر في نهاية قريبة لها، لا يزال هؤلاء الأطفال في أماكنهم ذاتها تتجمد قلوبهم، لنتذكرهم متأخرين بغطاء قد يتحول إلى كفن، وما تغير فقط أنهم زادوا عدداً وتضاعفت مأساتهم، وزاد الثلج حولهم سواداً.

نصف اللاجئين السوريين من الأطفال، وليس لنا أن نسأل عن مستقبل هؤلاء الذين هم المستقبل الحقيقي لسوريا على أي صورة انتهت إليها مأساتها. وعن أي مستقبل نسأل، وكل ما استطاعته منظمات إغاثتهم بعد تخفيض مخصصاتهم، هو أن تقترح لهم قائمة أغذية متوافقة مع المخصصات الجديدة الزهيدة، وتعدّ عليهم السعرات الحرارية التي تحفظ بالكاد نموهم الجسدي.

إذا سألنا من يبقى على قيد الحياة من هؤلاء عن مشاعرهم الحقيقية، فلن نجد إلا ملامح الأسى والرعب والقسوة، ملامح يغيب عنها الأمل والارتباط مع أي طموح نحو مستقبل ممكن، وهي ملامح ومشاعر سرعان ما تتحول إلى الكراهية.

هذا ما يجب أن ندركه مبكراً، ومن الآن، أننا نصنع بصمتنا وعدم مبالاتنا تجاه مأساة هذه الأجيال الكاملة من اللاجئين، مستقبلاً أسود من الكراهية، وهو مستقبل أسود ليس لهم وحدهم، بل لنا جميعاً، وللمنطقة التي نعيش فيها، ونجهد من أجل حصولها على الأمن والاستقرار والسلام، والابتعاد عن العنف والتطرف.

أن نخرج الأطفال السوريين من سجلات البقاء على قيد الحياة، إلى الحياة الحقيقية، بتوفير الأمان والعيش الكريم والتعلم الذي يصنع الأمل، وتمكينهم بفتح الآفاق أمامهم، ليس فيه إنقاذ لهم ولمستقبلهم فقط، بل إنقاذ لمستقبلنا جميعاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات