عمرو وخالد!

حرامٌ على قلبي السرور فإنني أعد الذي ماتت به بعدها سمّا

ليس شعراً أبدعه المتنبي تخييلاً حتى يوهم بأن السرور سمٌ قاتل، بل موت عاجل به الفرح جدته وهي تقرأ رسالة وصلتها منه.

وليس كثيرا، كما أن السرور سمّ، أن تتحول الشمعة من كناية للنور، إلى حقيقة من الظلام، والظلام الحالك أيضاً.

فبعد أن التهم لهب الشمعة جسدي خالد وعمرو الغضين، ذوي الأربع والست سنوات، شهيدي الحصار في غزة، لم يعد للشمعة أن تكون رمزاً لإشراق الروح، ولا ومضة لاستشراف الأمل، لم يعد لهالتها ما ألهمت به من كل الرومانسيات، ولا ما ابتهل في وهجها من تطهرات ولم يعد لنا أن نسيّر الشموع مع اشبينين يتقدمان عريسين في طريقهما إلى تأكيد الحياة وتجديدها، ولا لنعد بها سنوات عمرنا في ذكريات الميلاد، ولا أن نشعلها في ذكرى ضحايا لتهدأ أرواحهم.

الشمعة أصبحت رمزاً لكل عتمة، وكل موت، وكل حصار. انطفأت الشمعة، وانطفأت كذبتها، وليس لها أن تتقدم مسيرات شموع باسمها ضد الظلم والطغيان، فقد أصبحت حليفة للعدوان، وتكالبت مع همجية اسرائيل ضد غزة المنكوبة المنكودة، كما ستتكالب عليها قوى الطبيعة التي تزحف اليوم بعاصفة شديدة، من ريح وغيوم تزيد من آلامها بدل أن تجلب إليها البشائر.

انطفأت الشمعة، وانطفأت كذبتها، وأصبحت دليلاً على جور العالم الذي يحكمه الشر والصمت على الظالم ومحاباته، بدل أن ينير شمعة حق لقلب الضعيف والمظلوم.

وليس للشمعة أن تخدع بكذبة واحدة اضافية، إنها أحرقت طفلين لتنكأ جرح غزة وتنير بروحهما ضمير الانسانية.. انسانية العالم في سبات.

عالم يرى أطفال غزة يموتون جوعاً وبرداً وهم مشردون في العراء، ولا يكفيه أن يتفرج، بل يغمد السيف في جرحها، ويمارس ألاعيبه في الضغط عليها بكل فنون الحصار، ويتركها بلا كهرباء ليموت أطفالها كذلك حرقاً.

وليس لغزة إلا صبرها وصمودها، ولن تقنع غزة إلا بالعزة فكل ما عداها سمّ حرمته على قلبها.. لن تجد غزة للحياة طعماً حتى تقرأ قصيدة المتنبي إلى بيتها الأخير:

فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما

طباعة Email
تعليقات

تعليقات