تحالفات هشة

في مشهد بالغ التعقيد تصعب قراءته، اختلطت أسباب النزاع داخل دول المنطقة، بين نزاع من أجل السلطة أو الانفصال أو مصادر الثروة أو أحلام حكم المجتمع المدني، لتضاف إلى ملفات الصراع الرئيسة، سواء في القضية الفلسطينية أو الملف الإيراني.

ووسط هذا المشهد وتفرعاته، تظهر بين الفينة والأخرى تحالفات مفاجئة وغير مفهومة، بين قوى لم يكن يدخل في التصور إمكانية التقائها، لاختلافات جوهرية في أيديولوجية هذه القوى أو أهدافها المعلنة أو أسباب نشأتها، في مقابل ما تحيل إليه هذه التحالفات بالضرورة من انشقاقات كذلك بين قوى ذات أيديولوجيات وأهداف واحدة.

ما يقود إليه ذلك من تشكيك حول مبدئية الأفكار والأهداف التي نشأت عليها تلك القوى، وتعمل من أجلها وتبرر أفعالها، قد يكون بديهياً، غير أنه حين يصم المشهد كاملاً بقواه كافة، سواء كانت تلك القوى جماعات صغيرة عابرة، أو أخرى ذات تاريخ وتأثير.

أو دولاً هامشية أو أخرى محورية وأقطاباً عالمية، فإن النزاع بجميع قواه هذه، يغيب عنه أي اهتمام بضمير الشارع، وأي وازع قد تحدد فيه قيم الرأي العام أفعال هذه القوى التي تصنع صورتها لدى الناس.

 انكشاف الغطاء بالكامل ليس إيجابياً دائماً، لأنه سيحول النزاعات إلى مزيد من الدموية التي لا تنتهي، لأنها خالية من الأهداف التي تقف عند تحقيقها، ومن القيم التي تحدد طبيعتها وتحد من وحشيتها.

قد يكون ما يحدث في سوريا مثالاً بسيطاً، على صراع بدأ من أجل تكريس حكم المجتمع المدني، ويستمر الآن بما لا يستطيع أحد أن يدعي أنه بحث عن حرية شعب، أصبح نصفه تحت التراب، ونصفه الآخر في مخيمات اللجوء.

غير أن هذه التحالفات القائمة على مصالح مؤقتة، هي تحالفات هشة، لا تجمعها قيم مشتركة ولا أهداف طويلة المدى يمكن أن تثمر بيئة من الاستقرار، رغم ما تدعيه من السعي لتحقيق ذلك. تفكك هذه التحالفات ونشوء سواها في مراحل متلاحقة، ليكون حلفاء اليوم هم أعداء الغد، ينذر بمزيد من النزاعات المفتوحة والطويلة التي ستنهك المنطقة، بجميع قواها ومكوناتها وشعوبها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات