170 مدينة غاضبة

12 رجلاً ألزمهم القاضي بغرفتهم في المحكمة التي توج مدخلها بميزان العدالة الأميركية، ولا يستطيع أحدهم المغادرة قبل الخروج بقرار جماعي في حق الشاب الصغير المتهم بقتل والده. «مذنب»، كلمة استسهلها 11 رجلاً من هيئة المحلفين، فكل الأدلة التي قدمها الادعاء وشهادة الشهود لا يمكن أن تكذب ذلك، وهناك أمور أخرى يريد هؤلاء الرجال القيام بها، ليس أقلها مباراة بيسبول حجز أحدهم تذكرتها مسبقاً، وقد يباغته الوقت. واحد فقط بين هؤلاء، رفض التعجل في قرار سوف يرسل الفتى إلى كرسي الإعدام، وبعد أن جذبهم إلى نقاش متمهل، استطاع النقاش إقناع الجميع بأن الأدلة غير كافية والشهود غير دقيقين.

انتهى فيلم «12 رجلاً غاضباً» 1957، ليس فقط بقرار جماعي لهيئة المحلفين بأن الفتى غير مذنب، بل بتأكيد مدهش يسلب اللب على متانة نظام العدالة الأميركية، فهيئة محلفين من 12 عضواً لا بد أن تجد بينهم واحداً متعقلاً على الأقل، وكون القرار لا يخضع لأهواء شخص واحد، ولا حتى هيئة واحدة، فهو أمر يبني سياجاً قوياً لنظام عدالة يحمي حقوق الجميع، هذا ما أكده الفيلم، وتؤكده جميع أفلام هوليوود إلى الآن.

أما الواقع فقد ظهر فجّاً الأسبوع الماضي، عندما خرجت أكثر من 170 مدينة أميركية غاضبة إلى الشوارع، بعد أن اشتعلت فيرغسون احتجاجاً على إسقاط التهم عن الشرطي قاتل الصبي الأسود. 170 مدينة غضبت بسبب الخلل الكبير، الذي ظهر في واقع نظام العدالة الأميركي، بل أكثر بسبب نظام الأفكار بأسره، الذي يرى الحقوق والعدالة محصورة بعرق دون آخر، وهو نظام تحكمه العنصرية أكثر من أي قيم يمكن أن تتباهى بتبنيها ونشرها آلة إعلامية ضخمة، ليس أولها ولا آخرها السينما، وتدافع عنها عبر العالم بأسره، وتنصب نفسها حامياً لهذه القيم ضد تجاوزات الدول عليها.

ليست المرة الأولى التي ينكشف فيها هذا الزيف في نظم القيم الأميركية، وخصوصاً العدالة، فقضية فتى فيرغسون ذاتها تذكر بقضية فتى لوس أنجلوس في 1992، الذي تعرض للضرب المبرح على يد 4 رجال شرطة تمت تبرئتهم أيضاً.

وليس فيلم «12 رجلاً غاضباً» الوحيد الذي يمتدح نظام العدالة الأميركية، بل تنهض السينما والآلة الإعلامية بكاملها، لامتداح نظام القيم الأميركية، وربما استطاعت بكل هذا الزخم أن تبني إمبراطورية من الوهم، ولكنه سيظل وهماً هشاً يتلاشى مع ازدياد الغضب.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات