مراجعات حتمية

الأحداث الجسام التي تمر بها المنطقة العربية بأسرها، وخصوصاً في دول كانت محورية، سواء بما تمثله من ثقل سياسي أو عسكري أو بشري أو حتى ثقافي واجتماعي، لا يظهر في استشراف مستقبلها سوى أنها انتكاسات تسير بنا جميعاً نحو الهاوية.

وقد لا يبتعد عن الحقيقة كثيراً، ذلك الخطاب الذي يكتفي بحشد حجم الضحايا والآلام والأثمان، راسماً بألوان لوحته هذه مستقبلاً قاتماً، ليس أقل سواداً من الخروج الكامل من الوجود لأمة بكاملها، بعد الخروج من التاريخ الذي عايشناه ولم نزل.

ولكنه خطاب تهويل، يغرق في النظرة السلبية باكتفائه بالآني قصير الأمد من تداعيات الحدث.

لا كرامات سجلت في خرق سنة الحياة لولادة من دون آلام، ولم يذكر التاريخ، على امتداده، أمة نهضت دون أن تقدم تضحيات كبيرة، بل يسجل تاريخنا الحديث أن الانتكاسات، والظروف الدقيقة التي أحاطت بالأمم هي التي حملتها إلى نهضتها، ووفرت لها الإرادة والأسباب لتغيير مسارها التاريخي نحو شروط حضارية جديدة.

والظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة الآن، وبما تحمله من مآسٍ وما توحي به من نكبات وارتكاسات، إلا أنها حتمت على الجميع مراجعات لم تكن لتظهر أهميتها دون أن تدفع إليها الأزمات، فالمياه الراكدة هي مياه آسنة تحتاج من يشق أمامها طريقها.

الأزمة وبما أنها شاملة طالت الجميع ومناحي الحياة كافة، فإن مراجعاتها كذلك تأتي على الشمول ذاته، فهي ليست مراجعات تقصر آثارها على أنظمة أو نخب سياسية فحسب، ولا حتى على مفكرين ومثقفين فقط، بل تحتم ذاتها على ذهن كل فرد.

ولا تقف بذلك عند مراجعات في مستويات سياسية واقتصادية عليا، بل تستحث مراجعات على مستوى أنظمة الأفكار والعلاقات داخل المجتمعات وبين الأفراد، وربما تطرح على كل شخص أسئلة كبرى حول الهوية والانتماء والدور.

ربما لم تكن هذه المراجعات غائبة تماماً، فهي مثارة على الدوام، ولكن على مستوى مناقشات نظرية في أبراج النخب البعيدة عن أرض الواقع، والتي كانت تثير مشكلات لا وجود لها إلا في الأذهان، وتطرح حلولاً لا إمكان لها في حياة الأفراد الحقيقية، إضافة إلى ما كانت تفرضه الحياة الراكدة كذلك من عدم اهتمام تبديه المجتمعات أمام ما تجهد النخب في معالجته من أفكار التغيير.

لكن الأزمات لا تطرح أفكاراً نظرية، وإنما تفرض على الجميع ممارسات واحتياجات ومسارات حياة، تصحح بها مسار الأفكار وتكرس اهتماماً أكبر بمراجعات دائمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات