في التاسع من هذا الشهر مرّت الذكرى الخامسة والعشرون لسقوط جدار برلين، ومعه منظومة كان يقودها الاتحاد السوفييتي. حينها روّج الغرب لبضاعته الفاسدة إياها: الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وعالم أفضل.
صحيح أنه لم يكن كل شيء على ما يرام قبل تلك المرحلة المفصلية، لكن كيف أصبح العالم بعد السقوط المادي لجدار برلين ومنظومة الدول الاشتراكية؟ أميركا ودول أوروبا الغربية مرّغت أنوف شعوبها بأزمات مالية ومعيشية متلاحقة، وبعضها وصل حافة الإفلاس فاستنجد بالعائلة الأوروبية.. تعمّقت حياة البؤس، وتوسعت مساحة الفقر.
وزادت معدّلات البطالة (من يرغب، يستطيع البحث في المعطيات الإحصائية من مصادر الغرب نفسه). نتيجة أخرى، كان المعلن أن حلف الناتو أنشئ رداً على إنشاء حلف وارسو، لكن بعد حل «وارسو» ازداد «الناتو» شراسة وعدوانية وتوسعاً، ولم يكتف بضم بعض الدول التي كانت منضوية في حلف وارسو، والضغط على من رفضت الانضمام، إنما حوّل بعض الدول التي ضمّها إلى منصة للمؤامرات ضد روسيا.
العالم الذي قالوا إنه سيصبح أفضل وأكثر أمناً، أصبح ساحة للحروب والفتن والمؤامرات، وخلال السنوات الخمس والعشرين المنقضية، دمّرت الإمبريالية أكثر بأضعاف ما دمرت الحربان العالميتان الأولى والثانية، والشواهد تتحدّث عن نفسها في دول فقدت مقوّماتها وشعوب مزّقتها الحروب الموجّهة والمموّلة، حتى تحوّلت الكرة الأرضية إلى مقبرة جماعية تحتها ومعسكر لاجئين فوقها.
ماذا بعد؟ بعد سقوط جدار برلين وانهيار المنظومة الاشتراكية، كشفت إسرائيل عن أنيابها على نحو غير مسبوق. وعلاوة على التصعيد الجنوني للاستيطان وتهديد القدس والتنكيل بالفلسطينيين قتلاً واعتقالاً وتدمير مساكن وممتلكات، شنّت سلسلة من الحروب على لبنان وتوجّتها بعدوان أشد فتكاً وتدميراً في العام 2006، ومع ذلك خرجت مهزومة. وبعد اجتياح الضفة الغربية وتدمير بقايا اتفاق سياسي كان بمجمله لصالحها، شنّت أربع حروب على غزة، لم تحقّق منها غير قتل آلاف المدنيين وتدمير عشرات الآلاف من المنازل والمدارس والمستشفيات.
هذا هو العالم الذي أنشأته القطبية الواحدة، ولأن الحياة كلها مبنية على الأضداد موحدة متصارعة، ولأن العالم لا يقف على قدم واحدة، ها نحن نشهد عودة التوازن من جديد، ولو على شكل بدايات لحرب باردة.