لغة مستعارة

الأوهام مريحة، لذلك تسود فترات طويلة، ولا تنقطع إلا عند ظهور أشخاص تندر بهم العصور، يشمرون عن سواعدهم لجدّ وجهد يحتاجهما الاحتكام للعقل. أما أوهام زماننا فقد أصبحت على كثرة وإحكام سيطرة، أعصى على التفكيك، فهو زمان الركون إلى راحة الوهم دون التعب في إدراك الحقيقة.

وهي راحة أسلمتنا مقيدين أمام آلة صناعة الرأي العام العالمي، لنصدق كل ما تقول ونقر بأنه الواقع والصائب، تماماً مثل المقيدين إلى جدار الوهم في كهف أفلاطون، والذين يحتاجون إلى طريق طويل للأخذ بأيديهم إلى خارج الكهف، ليفتحوا عيونهم في نور الشمس.

الأوهام التي سيطرت على الأذهان كآلهة يصعب الكفر بها، وصلت من الشدة أنها أحاطت الآن بسؤال الهوية، من نحن! وجوابنا الجاهز نستعيره من لغة الآخر عنّا، فنصِمُ أنفسنا كما يصِمنا الآخر بالإرهاب والعالم الثالث والتخلف المادي والفقر الثقافي.

وغيرها من الصفات التي نقصي بها أنفسنا إنسانياً وحضارياً بأنفسنا، ثم نميل إلى البحث عن براهين من الحاضر والتاريخ والمدخول من الدين والثقافة، تثبت لقناعاتنا ما نثرثر به من لغة مستعارة.

ليست مجرد ثرثرة سعيدة، أن نتحدث عن أنفسنا بهذه اللغة، فهي ليست كلمات تقف عند استهلاك اللسان، وإنما تمثلات يحيلها التكرار والتصديق إلى إيمان، ثم واقع نرى أثره في السلوك الجمعي، ونصبح نحن ما نقوله بالفعل.

وهْم هذه الكلمات المستخدمة ضدنا ومنا، أنها تحمل دون سواها معاني لقيم متضاربة، فمقاومة محتل، حتماً هي إرهاب في قاموس هذا المحتل، وتظل هنا مقابلة مفهومة غير ذات تأثير كبير، أما أن ينجح فعل الوصم في تحويلها إلى تمثل لسلوك إجرامي يستقي من فقه الاختلاف وتغليب الظنون وينتصر له على يقينيات العقل، فهو مهلكة للذات دون الغير.

وفعل الوصم على درجة من المقدرة في تثبيت ذاته، بحيث يشرك المجرم والمنافح ضده في تكريسه، فالدفاع ضد الإرهاب سهلٌ تحوله إلى تقنية وصم للمجتمع عامّة، إن لم يكن دفاع العارف المتقن.

قد يكون تاريخ طويل، تفرقت عهوده لتتألّب أحوالها على أن تسلمنا نحن العرب إلى إعلاء الوهم، لكننا وفي سنوات معدودة مضت، جرعنا بأيدينا كأساً كبيرة من سمّ الأوهام قد لا يفيد بعدها ترياق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات