عندما أصدر وزير الخارجية البريطاني في حينه آرثر بلفور وعده المشؤوم الذي حمل اسمه، بإقامة »وطن قومي« لليهود في فلسطين في نوفمبر 1917، كان يعتبر بلاده وصيّة على العالم، بل على الشمس التي لم تكن تغيب عن مملكته، ولم يكن ليفهم معنى كلام العرب عن »وعد ممن لا يملك لمن لا يستحق«. صحيح أنه كان كذلك وما زال، لكن الواقع لا يعترف بالكلام، ولا يعير اهتماماً بثرثرة الألسن، بما فيها لسان العرب، إنما يقيم وزناً للعقول التي تخطّط والسواعد التي تنفّذ.
بعد حوالي أسبوعين تكمل ساعة بلفور سبعة وتسعين عاماً، في حين ترجمت الحركة الصهيونية ذلك الوعد إلى »دولة«، وغضَت البصر عن بضع كلمات جاءت فيه وتحدّثت عن ضرورة احترام »الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين«.
النواب البريطانيون الذين أيدوا قرار مطالبة حكومتهم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، لم يستسلموا لأرجحية المصالح على المبادئ والقيم الأخلاقية، حتى في ذروة الانغماس في العمل السياسي المغبرّ دائماً والملوّث بالحسابات غير الإنسانية.
ربما وجدوا أنه آن الأوان للقابلة القانونية التي ولّدت »إسرائيل«، أن تعترف الآن بدولة فلسطينية حتى وإن لم تكن معالمها واضحة ومحددة.
هناك محللون يقلّلون من أهمية قرار غير ملزم وينطوي على بعد رمزي، لكنّه على أية حال من القرارات النادرة التي لا تتبنى الجمل الإسرائيلي بما حمل. ربما لهذا السبب طالب رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون وزراءه، ممن يحملون العضوية في مجلس العموم، بعدم المشاركة في التصويت، بالتأكيد حتى لا يقلقوا منام إسرائيل على وسادة الاستيطان والتهويد.
برأيي، تكمن أهمية هذا القرار في أنّه يكشف زيف الشعارات الغربية عن الديمقراطية. المسألة واضحة، أعضاء مجلس العموم هم ممثّلو الشعب البريطاني، وقد أخذوا قراراً بأغلبية جارفة، وعندما لا تحترم إرادة ممثّلي الشعب فإن إرادة الشعب نفسه لا تحترم.
إسرائيل أمرها مفهوم، فهي ترفض كل شيء يبعدها عن ماهيتها العنصرية، باعتبارها الوريث الشرعي لنظام الأبارتهايد البائد في جنوب إفريقيا. أما النظام الرسمي العربي فهو يراقب النواب البريطانيين وهم يصوّتون، ثم ينظر في محيطه المشتعل بالفتن والدم، ويقول »غطّوني وصوّتوا«.